اعوجاج؟

IMG_1188

I’m sorry ?? , I’ll be beside you and behind you no matter what eased me bub 

because i love you

كانا سيتشاركان الحياة كقُبلة مبللة ، كسريرٍ ضيق ، ككوب قهوة و حضنٍ خلفيّ ، كانا سيتشاركانها بدون عقود أو صكوك أو أوراق ، لربما كرصيفين لطريقٍ واحد أو كضفتين لنهرٍ بارد ؟

إلا أن هذه الحياة ليست عادلة ، ليست متفاهمة ، تأخذ بدون أن تعطي ، و إن أعطت سيكون علقماً ، تجاذبا أطراف الحديث في مقهى قريب لكليهما ، كأقل حديث من الممكن أن يحدث بين غرباء ، سؤالاً عن كيف كان اليوم مزدحماً لتنسدل بعده عدة لقاءات يتوارى خلفها شعوراً لذيذاُ و نبضاً محبباً لطرفٍ وحيد ، التف بأغصان ما يقرأه بين كلمات شكسبير و مؤلفات جين أوستن الكلاسيكية و سقط !

بدون أن يتفق مع الأيام أن تبقيه معه للأبد ، بدون أن يتلو عليه تعاويذ المساء من أن يغادر و صلوات الفجر من أن يمسّه سوء ، سقط قبل أن يحافظ على نفسه من لهوها و لومها !

بدأ بالبقاء طويلاً في المقهى ذاته ليعود و يسلب الحديث من بين شفتيه الصغيرة ، ليتفاجأ بأن العمر مجرد رقم لا صحة له و أن كل البشر لا يتساوون مع أنفسهم الداخلية بمقداره ، وجهه اللطيف ينفي لطفه بطريقةٍ عنيفة رافعاً يديه لصدره وصوته الغاضب كيف له أن يكون خشن الوقع في صدره و بجانب منبت قلبه ؟

لم يجديه التساؤل إجابةً بل حيرةً فائضة عن الحد الطبيعي ، لم يتمكن من إضعاف عبث نبضه و إصلاح الخلل في رئتيه و الذي لا يحدث إلا بقربه و أمام عينيه ! 

وكأيّ يومٍ جديد أشرق على وجهه النائم بين كومة الكتب المتناثرة في كل جزءٍ من غرفته ، قارئٌ نهم و كاتبُ مقالاتٍ ناجح يعيش تحت الأسطر و بين مترادفات الكلمات ، صوت منبهه العالي ارتفع في الفوضى معلناً الثانية الأخيرة لساعات نومه ، و الروتين ؟ لم يكن جيداً في المكوث بين منحنيات التغيير ، يتبع أسلوباً واحداً لأطول مدةٍ ممكنة و من المحتمل أن يتغير لأحداثٍ قوية كأن يحمل هذا الصباح وجه الفتى اللطيف يطرق باب منزله و يضع الصحيفة بجانب الباب ليعود إلى دراجته و يستقلها إلى المنزل المجاور لمنزله ، عينيه ذاتها تلتقط رأساً بخصلات بنية باهته و عقله ذاته يسترجع صور الفتى من المقهى و أنفه يشتم رائحة الكرز الخاصة به !!!! 

سقطت قدميه بضع عتبات و رمشت ناعسته عدة ممرات غير مصدقة بأنه يوزع الصحف دوماً و هو ينتظره طويلاً في المقهى !!! 

رفع رأسه و ضحك بعلو صوت منبهه قبل قليل ، كطيرٍ محتارٍ بين حضن السماء و الغيمة فرد يديه و أكمل إخراج ضحكاته ، لم يحتاج لأكثر من هذا القرب في حياته من الطرف الذي لا يعلم بحبه بعد ، لم يحتاج إلا أن يكون أول وجهٍ يراه و أخر لطفٍ يروي عيناه قبل أن يغادر إلى منزله مساءً ، و حتى صباح الغد هو احتفظ بالكثير من الابتسامات و القهقهات و المزاج الحسن ؛ بقع غرفته تصرخ تفاجئاً بالمستيقظ على غير العادة كذلك الذي تراجع العتبات سريعاً عندما رأى صديقه من المقهى يفتح له الباب من أول طرقه ! 

فتح عينيه بتنهيدة لأنه لم يتعثر و يسقط ليرفع رأسه و يتخلف قلبه عن النبض لثانيةٍ و أقل ، رمشت غزاليتيه تخفيفاً من وطأة الأمر على أنفاسه و لعل عقله يستوعب سريعاً قرب وجهه منه ! 

قهقه صغيرة تسربت منه بعدما ابتعد سريعاً و رفة قلب الحالم بقُبلة لم تكن طبيعية ، 

” لم أكن أعلم أنك تقطن في هذا المنزل ؟ ” 

” لم أكن أعلم أنك موزع الصحف في البلدة ؟ ” 

.

مُضي الأيام لم يكن ثقيلاً كما اعتقد ، انقضى الصيف و شارف الخريف على الانتهاء بينما شعوره بالتشابه اختفى و كأنها تطبطب و تتأسف له على مرارتها و تعوضه بالفتى الصغير ، اعتياده على لقائه في المقهى بعد الساعة السادسة مساء و حتى الثامنة أصبح روتيناً و الروتين الوحيد الذي أحبه في حياته المنعزلة ، لم يختنق يوماً في قهوته إلا أن سؤاله المنطقي الذي خرج من حلو شفتيه جعله يبصقها بفوضوية على الطاولة و جزءً من بنطاله 

” آهه نحن أصدقاء لو ~ لذا أعتقد أنه أمرٌ طبيعي أن نلتقي كل هذا الوقت ! ” 

استمر بالمسح على المكان الساخن على فخذه تهدئةً لنفسه السيئة التي قاومت أن لا تمسح جوانب فمه الممتلئة ببقايا التارت و رغوة القهوة ، في حين أن يده ذاتها توقفت و جسده تمغنط عن الحراك عندما رأى لمعان أطراف عينيه للمطر الساقط على الحيطان الزجاجية للمقهى ؛ سهواً نسي سيهون نفسه في جُرم عينيه و ثُقب حدقتيه العسلية ، ناسياً صوت صاحبها الفرِح بشأن الهطول الأول للمطر ، 

” الشتاء قادم سيهوناه~ 

 جسدي ليس قوياً للتحمل و لكني أحبه سيهوناه~ ” 

” أعتقد أنني سأبدأ بشراء الملابس هل تود الذهاب معي ؟ ” 

أومئ لعسليتيه المحدقة به تنتظر جواباً ، ليعود لنسيان الجميع أمام ضحكته المبتهجة ، كُلياً لم يشأ أن يسقط في الحُب بهذه القسوة ، و كأن الهدوء أمراً متاحاً في الحُب ! 

على الرغم من جهله الشديد بحياة موزع الصحف إلا أنه استصعب على قلبه تجاهله لأجل أن يعرف حياته ،    

إن لم يكن يريد إخباري فهذا قراره و قراري أن أحترم رغبته – 

جملته أصبحت مجازية عندما رأى شاباً غريباً قريباً بالقرب الذي تمناه أن يحدث بينهما يلف الشال الغجري الذي اشتراه له حول رقبته و حين انتهى مسح على جانب وجنته الأيمن ، لم تغفل عينيه الضيقة استرخاء شبيه الغزلان بجانبه و على لمسة يده ؛ و الوميض الصغير في عقله لم يكن كافياً لإبعاده ، اقترب كثيراً و كما أخبرته والدته ، ” أنت لست صاحب بديهة عندما يتعلق بما تحبه سيهون ” !! 

بكل جبروت فرض قوته على ذراع الصغير ليسحبه داخل منزله و يغلق الباب أمام المتفاجئ من اقتحام صديقه لمنزله و كردةِ فعلٍ لخوفه منه احتضن يديه إلى صدره و عينيه الضيقة التي لم تغفل يوماً عن انتفاضات جسده الخفية غفلت ، ظُلمتها لم تكن هينه ليُتبعها صوته الهادئ ، 

” من هو ؟ ” 

انخفاض ترددات صوته بين القوة و الخوف لم يكن مشابه للوقع اللذيذ في أذنيه كالأيام السابقة ، 

” أنا لا أريد اسماً شياو ، من هو بالنسبة إليك ؟ ” 

و صبره من اللحظة الأولى قادر أن يمتد إلى ثواني طويلة من أجل الصغير و لكن ليس بينما الطَرق على الباب كان من الأسباب التي تجعل من مخزون صبره ينفذ ليصرخ على المتشبث بصدره محتمياً من الشبيه بالوحش الذي حذرته والدته منه ، 

” إن كان حبيبك لوهان و الرب لأخطفنّك بعيداً عنه لأنك لي ليس لأحدٍ غيري ! ” 

غضبه قاده للخارج و النظر إلى القِلق لم يكن واحداً من الأشياء التي فعلها ، كسَر أنفه و جرهُ خارج حدود منزل حُب قلبه اعتبرها قليلة بحقه و بررها بأنه تعدى على أثمن ممتلكاته و أجملها ! 

.

في السابق كان ساخراً لأولئك اللذين يقتلون أخرين لأجل الحب ، لأجل الغيرة ، و قطعاً لن يصدق ما يقرأه في تلك المؤلفات من روايات و قصص و كتابات أدبية ، و ها هو يبدأ بالكتابة عن الحُب النقي الذي يُكنه للفتى المرتعب منذ الحادثة قبل أسبوعين ، باختلاف أن الرابطة بينهما لم ترتفع لأكثر من أصدقاء ؛ لأن الصغير لم يُقر بمصداقية كلماته و شعوره كما يشعر ، و هو لم يجاهد ليخفي سطوة ما يشعر به لموزع الصحف في المقهى أمام الجميع ، بجانب موقف الحافلة الذي يأخذه الصغير يومياً للوصول إلى الجهة الأخرى من البلدة ، فوق المسطحات الثلجية انتظره أمام منزله صباحاً ، قلِقاً لأنه لم يطرق بابه من أجل الصحيفة و لم يُرد إزعاجه ، لربما أطال في النوم ؟ 

لم يستطيب محاولات ابتعاد اللطيف عنه و قلة حديثه و سرعة هربه كلما رآه و حينها فقط تذكر رجفة جسده و امتلاء أطراف عينيه بالدموع ، انعقاد يديه الخائفة و تقوس ذقنه جهلاً بمن يقف أمامه ، حرص على الاعتذار و لم يحرص على تلقين لسانه الكلمات المناسبة ، إذ أن كل بقعة في المقهى تصرخ بمثالية و النادلة نفسها شجعته على الاسترخاء و تكرار ، ” لوهان لطيف و سيقبل اعتذارك ” ، استجمع جُل طاقته على الاعتذار بصدق متناسياً أنه ضحيه لغضبه و يجب على استجماع طاقته لئلا يغضب ، و هكذا تدهورت ليلة الاعتذار المثالية لجنونٍ من نوعٍ أخر ؛ تهاوى عندما ابتسم له بكل نقاء و أخبره أنه يقبل اعتذاره لأنه صديقه ،

” كاي حبيبي سيهوناه~ ، لقد أخبرته عنك كثيراً و كنتَ سيء التصرف ، سيأتي بعد الغد من الشمال ليراني و سنجتمع في منزله همم~ 

توارى خلف الطاولة بقبضةٍ تعتصر دماً ، تراجع بخطواتٍ بكماء و اشتد وقع ارتطامها كلما اقترب من منزله ، احتضن بقعته اللذيذة للنوم – بين الكتب – و لم يستلذ !

تناسيى دفعه للطاولة و كسره للعديد من زينة المقهى و التي ستكلفه الكثير من المال ، تقاطيع صوته التي خرجت بصعوبة مع أنفاسه أمام وجهه الخائف و عينيه المرتعشة طلباً لعودة سيهون صديقه الوحيد ، تناسى خضم معاناته ليأتي مُحب الشتاء إلى المقهى و يُبدد شكوكه بكونه شخصُ سيء ليقوم بإثبات الشك باليقين و يقطع الخيط الجامع بينهما بلا أيّ تردد !

.

لم تعد حياة النصف تناسبه ، تبعثره بين المخطوطات القديمة لم يعد ذا قيمة كما ظن ، اخترقه أقسى ما عرفته البشرية و أفتك أمراضها المجهول علاجها ، و كما كان غريباً عاد غريباً عنه ، يترقبه من النوافذ و يتبعه حتى باب منزله ، يراه يُشعل مدفئته و يأكل عشاءه وحيداً ، لم يستطع الاقتراب مع إرادته القوية في الهجوم على سريره و احتضانه غير مبالي بحركته القوية للفرار ، لم يستطع ~

أسبوعاً أخر و صاحب اللكنة البرازيلية لم يظهر ، تحرّق لمعرفة ما يحدث في حياة الذي كان صديقه ، علم من ذات النادلة أنه لم يعد يوزع الصحف لأن الأجواء تمرضه بشدة ، و لن ينتظر محبوبه ليمَرّضه فهو الوحيد القادر على أخذ ألمه على حد اعتقاده بينما الثلج أمام الباب احتفظ بالكثير من بصمات حذائه عليه ، يتراجع متردداً و يتقدم من أجل فكرة أن ضئيل الجسد مريضاً و وحيداً ، ليثبت على قرار أن يضع كيس الأدوية و يطرق الباب و يسرع في الاختباء ، ليس طفلاً بل محموماً بالحب الخاطئ ~

الرياح الباردة تطرق مفاصل جسده كأكثر موسمٍ للثلج يشعر به و تلك الهيئة النحيلة التي اتضحت من خلف الباب جعلته هشاً لا يقوى على الركض إلى منزله كما قرر من قبل ، التفاجئ في ملامحه المريضة أيقظت بداخله شيئاً غريباً يحثه على تقبيلها حد الشبع ، عقد حاجبيه بضيق على الصغير الذي تمسك بمقبض الباب و استمر بالسعال و محاولة التقاط أنفاسه الهاربة ، و من هو الذي يدع محبوباً يستمد القمر منه كل ليلة جمالاً ليُضيء نفسه ؟ إن لم يكن البرازيلي قادراً على رعايته لما لا يتركه لأجله ؟ و من يترك بالغاً بداخله روح طفل لم تينع أطرافه بعد ؟

و يبدو أن جسده منهكاً لتلك الدرجة التي لم يقاوم بها دخوله لمنزله و حمله حتى السرير ، هلع و ركض لجلب كيس الأدوية مع المناشف و صحن المياه الباردة ، يغسل احمرار وجنتيه بينما يضع منشفه أخرى على معدته ، يستبدل الساخنة على جبينه بأخرى باردة ليرتفع ضرب أسنانه ببعضها و يستمر سيهون بعض شفتيه الجافة و تذوق نزفها على طرف لسانه ، بين الوعي و الإغماء يهذي بكلمات لا يكاد يفهمها و لكنه فهم أن الصغير يعاني مرضاً غير مرضه الجسدي ، عقله تلقائياً أحرق صوره الأسمر و توعده بكسر أضلعه في المرة القادمة !!!! 

على الرغم من تحديقه الطويل في انحناءة شفتيه إلا أنه لم يفكر بها سوءً ، أجزاء جسده المنكشفة أو المتضحة من التصاق ملابسه عليها لم يلمسها لإرضاء شهوته ، خصلات شعره الباهتة جداً و التي بدأ يتضح لونها الأسةد أخذت كل النصيب من لمساته و قُبله ~ 

ضوء الفجر شارف على الظهور و استمراره بوضع المزيد من الخشب بداخل المدفئة لبقاء المنزل دافئاً لم يكن مريحاً للنار التي تُفتت بقايا صورة البرازيلي من ذلك اليوم ، هلوسة أن يكون بعيداً في الشمال مع أحدٍ أخر بينما الصغير هنا يعاني من ضعف جسده السيء يُغضبه ، و إن قرر أن يترك للطيف حق الاختيار بينهما لن يدعه يختار اللئيم عليه ، البعيد عليه ، الغير مبالي عليه ، لأنه و الرب يعاني من حماقة تُدعى الحب الخاطئ !! 

انتفض واقفاً لسماعه لإناةٍ خفيفة تدل على تعبه الشديد ، جلس ملاصقاً لجنبه الأيسر ، يشعر بانتفاضات معدته التي لم تعتصر جدرانها غير عصارتها المرة و التي استمر باخراجها على مدار الليل ، احتضن كفه الصغير و مسح بإبهامه على مفاصل أصابعه برقةٍ شديدة ، نظرته لينة تحمل أطناناً من الخوف و الصلاة لشفائه السريع ، استسلم لرغبته بانتشال الألم القبيح من جوف موزع الصحف و السائل عما إذا كان يومه مزدحماً ؛ أرخى جبينه و ضيق حاجبيه على سخونة جبينه و ارتجاف حاجبيه ، يبتلع ما يخرج من شفتيه لجوفه و رائحة المرض سيئة جداً لتتركز بكل قوتها و تمحي رائحة الياسمين و الكرز التي اعتاد على شمها منه ~ 

لم يشعر بعظمة حوضه المنحنية تؤلمه أو أن فقرات ظهره العلوية تُصدر صوتاً أشبه بالطقطقة ، لم يشعر بمقدار الألم الذي يضخه لجسده لأن اهتمامه الكلي في أن المرتعش تحته يبقى دافئاً و مرتاحاً ؛ فتح عينيه و حدق في تناسق خَلق أجفانه ، رموشه الطويلة ، عظمتي وجنتيه مع تدبب أنفه الطفيف و الندبة التي تمركزت أسفل شفته السفلية أَقسم أنها وضعت نفسها هناك ليلتهما ببطء ، طبيعة وجهه القريبة من حدقة عينيه مختلفة جداً عما كان يراه طوال الأشهر السابقة ~ و أقَر أنه لم يقرأ وصفاً لبشري يليق بخلقته المبهرة ! 

شعر بحركته الخفيفة ليبتعد سريعاً و تنتابه مضاعفات اعوجاج استرخاءه عليه ، أغمض عينيه و استند بالسرير علّ الألم بظهره يختفي مع وضعيته الصحيحة للاستناد ، ابتلع لعابه و أحس بصعوبة اندفاعه من حنجرته حتى بلعومه و إن مرض من أجل الصغير سيبقى مريضاً للأبد بشرط أن لا يمسّه أذى ، مجنون غير عالم بمتاعب الحب ~ 

.

بعد هذا الاهتمام الخفي استمر راقداً بفراشه لعدةِ أيام ، يشتم الحياة و حظه لعدم وقوفهما في صفه و جلب عاشقه الصغير ، لم يعلم أن الحياة أبعدته لأكثر من مجرد شارعين ضيقين لبحرٍ و محيط ، ، لم يفقه بعد أن حظه عقد صفقة مع الحياة و ربح في أن يبقى مستريح بعد أن يبقى بقربه ليلةً واحدة ، و ما إن تلقى الصفعة تلو الأخرى من النادلة جالبة السوء حتى ما عاد يعرف طريقاً و لا وجهاً و لا سطراً لأن يعيش ، 

” أتى الرجل الذي ضربته و أخذه معه ” 

” لم يكن لديه وقتاً لبيع منزله الصغير لذا أغلقه 

” بدا مستعجلاً جداً ، أتمنى أن يكون بخير ” 

تمنى أن يضغط على زر منبهه و يعود لوقته السابق ، لا يستيقظ قبل صوته و لا يهتم مهما ارتفع صوته لإيقاظه ، أن يختلط برائحة المجلدات القديمة و الكتب المتكدسة فوق بعضها ، أن يرى اليوم كالأمس و الغد كبعد أسبوع ، أن يقرأ المديح في زاوية الصحيفة التي ينشر بها مقالاته بحماسٍ مفرط و فمٍ مبتسم ، أن يسهر الليالي الباردة كهذه بجانب إبريق قهوة و سجائر رديئة ليسخر من كُتاب عظماء ؛ و أمنياته باطلة لوقوعه في الحنين للصغير المبتعد عنه بدون رسالة كان من المفترض أن يتركها خلفه !!! 

مهما ظن أنه قادر على تجاوزه انتهى بضيقٍ في صدره كغرفة طوارئ في مشفى وحيد وسط تهافت المرضى عليه ، فكر بتصرفاته الغبية و تسرعه الوقح و لم يجد سوى تبريرٍ صغير لنفسه ” أُحبه ” ~ 

.

سحب الشتاء نفسه ببطءٍ شديد ليُخلف فوضاه فوق المنزل الذي استمر بالمرور به و لم يأتي بعد ~ 

انقشعت الثلوج و اختفى الدخان من سقف السماء الذي استمر بالخروج من سقف المباني و لم يأتي بعد ~ 

سقطت المعاطف الثقيلة من الأكتاف و الكنزات العديدة من الأجساد و لم يأتي بعد ~ 

أينعت الورود على أطراف الشوارع و أخرجت الأشجار أوراقها الخضراء و لم يأتي بعد ليُزهر صدره الجاف ~ 

و في تلك النقطة التي سهى بها و هو ينظر إلى منزله سأل نفسه سؤالاً اقشعر لأجل واقعيته ،

” هل نساني و مضى في حياته ؟ ” 

سيهون بقيَ وحيداً في الربيع الذي كان يتخيل أن يعترف به لمالك روحه و لب قلبه ليمتلئ يقيناً أن حب الفتى ثقيل ليفقده توازنه الذي لم يميل يوماً ، أن شعوره بالوحدة على المائدة نفسها مع عائلته لم يكن مكتظاً هكذا مثل اليوم ، و حتى مع استمرار والدته بسؤاله عما إذا كان بخير استمر الشعور بالتخلل إلى أوردته ، يؤمن أنه يشعر بالغرابة و كان غريباً للجميع ~ 

و عاد بعد قضاء الربيع بمنزل عائلته الكبير في المدينة إلى ذات البلدة لينهار بجانب منزله المغلق ، احتضن صدره الفارغ و بكى كثيراً ضريبةً لحرمان عينيه من نزفها على وسادته منذ يوم رحيله ، محموماً و مريضاَ بالحب النقي الذي انتهك حرمة قلبه ~ 

و لم يفرغ من تعذيبه بعد ، ما زال يُخفي في باطن الأيام لقاءاتٍ من شأنها أن تكسر كبريائه و تغمسه أكثر في أفكاره السيئة و أولها لقاءه بعد طول الغياب في ذات المقهى و لكنه مختلف ؟ ضؤل جسده اختفى و امتلئ كتفيه بالعضلات الخفيفة ، أقمصته ذات الأكمام الطويلة قُصت حتى أعلى كتفه و قُصرت من منتصف فخذيه حتى أعلى سرته ، خصلاته الباهتة استبلدت باسودادٍ فاحم ألم يُبغض سوداها و استمر باستبدالها بالبني ؟ أجزاء لوهان تصرخ اختلافاً و غرابةً أمام عينيه المتسعة ، و ما حول قلبه ضاق على رؤيته من جديد ، 

” تارت الفراولة و قهوة مثلجة من فضلك ” 

صوته بذات الطلب الذي يحبه يرغمه على تصديق حدقة عينيه المعلقة على ظهره ، جدران معدته تنقبض على جلوسه في الطاولة التي بالأمام ، ارتعشت يديه على اختلاف نظرته ، ملامحه ، و لكن ما زال بهالة منعشة و ابتسامة نقية و تلطيخ جوانب فمه بقطع التارت المفضل ~ 

أرخى جفنه المرتجف و قبض على جبينه بإحكام ، نبض قلبه يستمر بالخروج عن المعدل الطبيعي و رئتيه لا تجاهد للعودة لعملها ، يختنق لأنه قريبٌ منه و لم ينظر إليه ، قريبٌ جداً و لم يشعر بالحنين المتدفق منه ، بأيّ حقٍ يعاتبه بعدما اعترف له أنه صديقٌ لا أكثر و هو قطع ذلك الخيط بنفسه ؟ 

متهور و ممتلئ بالحنين لا يجتمعان في شخصٍ واحد إلا و فعل ما فعله من خطأ ، جلوسه على المقعد و بصق السؤال تلو الأخر ليست طريقةً للاطمئنان عليه ، اتباعه لمعرفة مسكنه بعد أن أخبره أن يبقى بعيداً عنه كما الأشهر السابقة كان سوءً من سوئه الذي بدأ يطغى على حبه النقي ، 

” إن كان لا يريدني فأنا لم أنتهي منه بعد ~ ” 

.

يومين تلك مدة احتماله من مهاجمته في غرفته ، و كيف علم رقمها من الغرف الكثيرة في الفندق لم يكن سؤالاً ليوقفه عن تنفيذ ما يدور في رأسه ، سمح لنفسه بالجلوس على الكنبة الوحيدة في الغرفة و التحديق به ، مهما سأل و استمر بالحركة لن يفتح فمه ، سيُطيل النظر إليه حتى تكتفي عيناه الضيقة منه ، 

” لما أتيت إن كنتَ ستبقى في فندق ؟ 

” لما أنتَ هنا بعد أن ضربتني بعد اعتذارك ؟ 

” لست أطمح إلى الاعتذار بعد مغادرتك السيئة بحقي ! 

” أنا أيضاً لست طامع في غفرانك لي ! ” 

اندثر سؤاله بين أسنانه و طية لسانه ، 

” لما أنتَ مختلف جداً عن السابق لوهان ؟ ” 

كان جيداً جداً في إخفاء خوفه و تردد صوته في الإجابة ، كان جيداً في إبقاء كل تراكمات ضعفه و ارتجاف صوته تحت قدميه و لكنه كان سيئاً أمام الحدقتين السوداء ، مفضوحاً جداً ، و لم يمنعه من تنفيذ أفكاره السيئة إلا قوته المزيفة التي يراها خلف ثبات وجهه المزيف !!! 

استنزفا الوقت المتبقي في الصمت و استراق النظر حتى قرر سيهون مغادرة المكان تاركاً سيجارته التي لم يستطيع إنهائها أمام عينيه ، صعُب عليه حينها محاولة المضي قُدماً و تمهيد الطريق الوعر لإعادة صديقه الوحيد لأن صديقه لم يعد صديقاً بل منعقد بحُبه و الحُب ؟ كان قد أضرم مع قذارة العالم التي رآها عل هيئة بشري أن لا يقع في شوكته مجدداً ، أَقسم بأن بقتل روحه و يغادر الحياة البائسة إن عاد إلى الارتباط برباطٍ يُسمى حُباً ،  أنهى السيجارة و استنشق ما خلفه حاد الطباع من مشاعر على ذات الكنبة ليُقرر المغادرة مع الصباح الباكر إلى أبعد نقطة من العالم ، عن البلدة صاحبة الذكريات الجميلة و عن منزله الذي شهد ضرباً قاسياً لحبيبه السابق و عن سيهون ~ 

.

تحت المياه الساخنة أحب البقاء طويلاً و كأن حزن وجهه يتسلل مع المياه إلى اللاشيء ، يسقط عبر خطوط من حدةِ فكه إلى التلاشي مع البخار ، لم يكن يُسراً أن يصنع لقاءً بارداً فارغاً يقوم على أُسس العتاب و الكبرياء بينما موزع الصحف لم يكن سهل التعامل ، اختلف كثيراً و كأن الحياة انعطفت به إلى الهاوية و قررت له الاختبار ما بين السقوط أو خوض الألم دفعة خلف أخرى ، يائساً . . لربما اللطف في وجهه يبحث عن شخصٍ يحكي له ما اضطره للاختفاء ؟ 

الحافلة كانت مفترق الطرق للكثير من مقيمي البلدة الصغيرة ، وصلاً بين المطار المحلي و القطار قصير المدى و أهم معالمها الجميلة بينما هذا الصباح حملت موزع الصحف و كاتب المقالات بدون أن يعرفا ، تشاركا الوقت و التفكير و غفلا عن التشارك في الحديث ، 

” المغادرة أو البقاء ؟ 

” مسامحته أو استمرار الصمت ؟ 

” الوقوع مجدداً أو الذهاب بعيداً ؟ 

” اخباره بأني مختلف بطريقة جيدة أو سيئة ؟ 

” لا يعلم بما عانية و لكنني أعتقد انه يحتاج تفسيراً ! 

” كنتُ قاسي في تصرفاتي معه و لكنني كنتُ غير مدرك ، يحتاج تفسيراً صادقاً ! ” 

” هل انا صاحب السوء هنا ؟ 

” هل أنا السيء بيننا ؟ ” 

توقفت الحافلة و المغادرين إلى المطار بدأوا يقفون للنزول ، ضحكته الخافتة على الطفل الذي تعثر برباط حذائه تسللت إلى أذنيه كموسيقى موتسارت التي حفظها عن ظهر قلب ، للحظة ابتسم لعقله الذي أنعشه بصوت ضحكته و لكنه استوعب أنه في البلدة و لربما بجانبه ؟ 

رفع رأسه المهمل عن الزجاج و نظر للجميع بينما خصلاً سوداء اختفت للتو من حدقتيه السوداء ، استقام سريعاً و ركض قبل الإغلاق الآلي ليتعثر بالسلم و يسقط على الرصيف !!!! 

كان سقوطاً مستحقاً لأنه انتهى بجلوسهما و بجانب بعضيهما في مقاعد الانتظار بالمطار و هرباً من الموقف الذي قُدر لهما استقام سريعاً ، 

” سأجلب بعض القهوة و الحلوى هل تريد ؟ ” 

” شاي الفقاعات من فضلك ! ” 

امتعض وجهه اللطيف على طريقة حديثه و كأنه نادلٌ تحت خدمته ، غريبٌ أمره إذاً لما سأل أصحاب المقاهي و المطاعم عما إذا كانوا يبيعون شاي الفقاعات ؟ 

اقنع نفسه أنه لا يريد أن يأكل لوحده و كان مجرد اقناعٍ مؤقت لأنه في اللحظة التي أومئ له الرجل أشرق وجهه و ابتسمت شفتيه كطفل التاسعة ليطلب اثنين متجاهلاً رغبته بالقهوة و الحلوى منذ بداية الصباح !!!!! 

و كصمت الأمس كان الصباح ، ليس جميلاً لأنه لا يستطيع التأمل به و ليس حلواً كالشاي في يده و لكنه مُنعشاً و الرب~ لأنه استطاع الانغماس في رائحته و التي تدل على اغتساله للتو ~ 

” يجب علي حجز تذكرة ! ” 

” أنا أيضاً ! ” 

” أوه ~ يبدو أنك اكتفيت من البلدة ؟ ” 

 نعم ، شخصٌ ما جعل وجودي بها مستحيلاً ! ” 

ابتلع شايه و كره رجوعه ، كان يعلم أن سيهون ليس صديقاً فقط و لكنه أوهم نفسه كثيراً بأن يكون ، و لسببٍ ما سيغادر البلدة التي أَحبها و احتمالية أن يكون هو السبب مرتفعة ، ضعفه و رقة قلبه أرادا البكاء طويلاً و اخبار صديقه الوحيد بما فعلت به الأيام بينما استقامته و ابتسامته الكاذبة ناقضت تلك الرغبة ، 

” حظاً موفقاً إذاً ! ” 

وقف في الصف خائر القوى و عينين ممتلئة طرفيها بالدموع ، مهما استنشق من الهواء بشعر بسرعة هربه منه ، استمر بتكرار أن كل شيء حدث سيكون أفضل مع مرور الأيام و لكن لا !! منذ اُعتصر ذراعه بقبضة يده علم أن الأيام لن تكون جيدة ، و لن تكون رقيقة معه ، لم يسحب يده و لم يطلب تحريرها ، انقاد كالطفل للمجهول مع جملة تكررت في عقله ، ” و الرب لأخطفنّك بعيداً عنه لأنك لي ليس لأحدٍ غيري ” ~ 

.

لم يعتقد أن تكون غرفة سيهون بهذه الفوضى ، من السقف حتى الأرض مكتبةً حملت رفوفها كُتباً ضخمة ، بينما ما حول سريره و حتى الباب رزماً من الصحف كل رزمة ملفوفة بحبلٍ نحيل و مخطوطات و كتبٌ صغيرة و مجلات أدبية بينما باقي المنزل كان حفنةً من الغبار ماعدا جزءً صغيراً من المطبخ على ما يبدو أنه يستخدمه !! 

و صاحب المنزل العفن لا يبدو أنه يريد الحديث منذ ثلاث ساعات ، و ضعه سيء و الأسوء شعوره بالجوع في موقفٍ لا يُسمح له بالشعور بأيّ شيء !!! 

” أصوات معدتك مقرفة ! ” 

تلون وجهه و كعادته في الخجل احتضن كفيه بداخل باطنها ، و لم يتمكن من اخراج صوته حتى غادر الغرفة ليرفع إحدى الكتب و يصرخ على صفحاتها ، يعاتب معدته و يهددها بأن ينام جائعاً إن لم تصمت عندما يعود ، ما زالت به روح الطفل ! لربما الحياة لم تستطع سلبها منه ؟ 

الوقت الطويل وسوس له أن يرى ما تحمله الكتب الصغيرة ذات الغلاف الأسود بجانب وسادته ، استقام و جلس على السرير الخاص بسيهون ، كثيرٌ من الحماقات اللذيذة تنسدل إلى عقله كأن هذه رائحة سيهون ~ رأس سيهون يستريح طويلاً هنا ~ أكتاف سيهون العريضة تستلقي هنا ~ أغمض عينيه و نفى مراراً ليعود لفكرته الأساسية و يسحب إحداها و يفتحها سريعاً ، 

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ 

أحمل في جوف صدري حزناً على رحيلك المفاجئ ، سريعاً غادرت قبل أن أُنفق العديد من مشاعري لأشتري بدلاً منها ليلاً قصيراً و عينان تبكي كثيراً ، لربما تعتقدني قوياً و منيعاً بسبب كلامي البارد و تصرفاتي الخرقاء و أنا لست كما تعتقد ، أنا و الرب أفنى و أتلاشى ببعدك المرير ، أنا لم يتبقى من أجزائي سوى ما يلزمني للعيش ، و صدقني لو أنني عالم بعدم رجوعك لمتُ عند عتبات مغادرة الشتاء ، لن أقوى على قضاء الصيف الذي جمل بدايتنا و ذكرياتنا الأولى ، لن أقوى على حملها لوحدي . 

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ 

شهقه أبت أن تبقى حبيسة أفزعت من وقف خلف الباب يُذكّر نفسه بأن لا يصرخ عليه و يتحلى بالهدوء ، الكلمات كانت مُره غير مُستساغه لعقله الذي كان ممتلئاً بأنه يجلس على إحدى ممتلكات سيهون ~ 

اعتصر الكتاب الصغير بين قبضتيه و كأنه قلبه ، انقباضات ضلعيه المؤلمة يفرغها على الغلاف الأسود ، رفع رأسه من حجره و لم يتوقع رؤية صاحب الفك الحاد يجلس بين كومة كتبه و ينظر إليه ، انعقدت حاجبيه و الاختفاء من الأرض كان الحل الأخير ، الهرب و الهرب بعيداً حتى أسوار الصين العظيم أو حتى للوحة تقول – انهياراتٌ جليدية ، خطر التقدم – 

تمتماته لا تصل إلى أذنيه و لكنه خمنها و خمن الدموع المنهمرة كإعصار على وجنتيه بأنه أسف جداً ؛ حبى نحوه و كأنه طوق نجاته ، سحبه بقوة من يديه ليُسقطه من السرير إلى فجوة عظام رئتيه ، يعكف ساقيه حوله و يجبره على الانكماش و محاولة تصغير جسده للمساحة التي تركها له ، لم يكن شعوراً مبهماً كتلك التي احتلت عمق قلبه من مشاعر غريبة و صعبة التفسير ، بالرغم من أنه مستمرٌ في البكاء و إخراج الشهقات و إغراق قميصه !!! 

تذكر قُبلاته لخصلات شعره البنية الباهتة في ليلة مرضه و لم يُفكر مرتين في تقبيل خصله السوداء ، 

” لم أكن مُخطأً بشأن أن اللون الأسود يجعلك أجمل و لكن أعتقد أنك محق ، عليك إعادته للبني فأنا غيور لو ~ ” 

تصريحه المباشر أخرس ما يدفعه للبكاء ، أوقعه في دلو حلوى ملونة بين غزلان محشوة ، صوته الخافت المليء بالغلظة أرسله إلى وكر الغيوم السوداء و أنساه الكلمات القاسية التي قرأها لتبقى دموعه قوس قزح على وجنتيه ومقدمة أنفه و أسفل ذقنه ، اللذة التي تخفق نفسها في عقله الطفولي فاضت إلى قلبه و أوقعته في خجلٍ مرير ~ شعوره بانخفاض صدر سيهون و ارتفاعه كان قاسي الابتلاع و لم يقاوم رغبته في البقاء طويلاً هناك ، في الواقع أَحبه ~ 

بينما من الجانب الأخر في ضلع عريض الكتفين صخبٌ و برقٌ و ضرب أقدام الرجال في المعارك ، يفقد مبادئه و قيمه و يفقد أن يكون نقي المحبة لمن سكُنت حركته ، أأستطاب النوم في وضعٍ يحُرم فيه على الأخرين إغماض أجفانهم ؟ 

حرر قبضته من كتفه و تحسس بأطراف أصابعه قطنية جانب وجنته ، آمال رأسه قليلاً لتتضح له معالم السلام و الأمان ، جفاف قلبه الذي اختنق من المياه صعد إلى شفتيه و جوف فمه ، الاسترخاء في ملامحه كان ملائماً لأنه يُقبل و يُحنط في مستويات عالية من الذاكرة ؛ لا بد من الحُب النقي أن يُدنس من الرغبات الكامنة في عُمق العاطفة و سيهون كره أن يلوث حُبه الطاهر بالاستغلال المشين ، كره تماديه في تقبيل شفتيه و كره تكراره للاستغلال السيء لمن نام دون تردد في حجره و لم يكره شعوره في تذوق طعمها ، لم يكره و لم يستطع ~ في الواقع حلُم كثيراً بأن يضع صغير الجسد بجانب عرضه ليرى الفارق و يستمتع به ، يرفع الغطاء عليه و يحشره بين ذراعه و ساقيه لأنه يغار من الغطاء الذي سيلامس قطنية بشرته و لم يعتقد أن الشعور الذي يشعر به الأن أعظم مما حلُم به ، يتلمس مساماته المتقشعرة من احتكاك الغطاء الثقيل الذي وضعه فوقه و ذهب لقراءة نصوص شعرية ، وقف عند خصلاته الساقطة على عينيه و حتى أنفه ، استغرب من طولها و لكنه استرجع تصفيفة شعره المرتفعة عن جبينه لذا خمن أنها سقطت بفعل حركته ، زفر أنفاسه بغير تصديق أن الحلُم حقيقة و أن الحقيقة لا غبار عليها ؛ لوهان يستلقي على سريره ، نائم تحت غطائه و على وسادته منذ وقتٍ طويل !! ربت على رأسه و تساءل عن اضطرابات النوم التي جعلته ينام لأكثر من ثمان ساعاتٍ متواصلة و لا بأس عليه أن ينام حتى الغد إن كان سيخبره أنه سيبقى في البلدة من أجله ، سقيم و كالمعتاد أمنياته باطلة و لا مكان لها غير رأسه ؛ استراح بجانبه و لم يستطيع إلا أن يقربه إلى صدره ~

و مضت الأيام . . . . . حانيةً رقيقةً طيبةً الوقع ، لم تطُرق عقليهما سوى بالجميل و النادر و اللذيذ من الأفكار ، تنافسا على تمثيل دوريّ كلّا من شخصية اليتيم هيثكليف سيء الطباع و هندلي الابن المزعج و سبب مشاكل عائلته من رواية مرتفعات ويذرنغ لينتهي بسيهون يُلقي النكات ليُضحك العابس على خسارته في التكييف مع شخصية الابن المزعج ، تماثلا أمام عازف البيانو الذي اعتاد لوهان زيارته في السابق ليتعلم معزوفات بسيطة إرضاءً لنفسه التواقة لكل شيء ، و العازف لم يستطيع كبح سؤال للوهان ، 

” هل حصلت على حبيب و هربت من دفع المال لي من أجله ؟ ” 

لم يعي العازف أنه بفضوله الشرس أقحم بعقل الصغير ذكريات جاهد على نسيانها بقرب سيهون ، لم يعي أن سيهون كبرت في قلبة غريزة الدفاع عن حبيبه بمجرد أن رأى انخفاض رأسه و انعقاد كفيه ببعضها ليستقيم و يرمي دزينةً من المال على مفاتيح البيانو و يسحب حبيبه خارج المكان الذي أصبح مُملاً ، تناوبا على تذوق أصناف الطعام المعَدة من قِبل الشيف المحنّك المدّعي بأنه طباخٌ ماهر و لم يسع من سيهون غير رفع إبهامه كعلامة جيدة لسببٍ بسيط ؛ أن لا يرى عبوسه المشهي للتقبيل ، تصارحا بشأن أن النوم بين الأغطية أفضل من كومة الكتب و اختلفا بشأن أن التصاق أجسادهما مريح لتلك النقطة التي تُغلق عندها أجفانهما سريعاً و حينها تعارك مع سيهون بوجهٍ ملطخ بالألوان و العبوس أن استرخاء رأسه على الوسادة أفضل بكثير من باطن كتفه لتمتلئ عينيه بالدموع بشأن أن سيهون أخبره أن يقوم بفعل الأمرين و يخبره عن شعوره بصدق ~ كانت دموعاً تختنق من لطف سيهون معه ، تحتضر عند ابتسامته الهادئة و لمساته العفوية ، لم يسعه إلى أن يُرخي رأسه على صدره سريعاً لا باطن كتفه ، يدع لدموعه حرية السقوط و تبليل قميصه و سيهون لم يمانع أن يغرق لأجل صغيره الذي بدأ يتجرد من اختلافه و يتلبس شخصيته الحقيقة التي أَحبه بها ~ 

.

منعطفات الحياة بدأت تتخذ الاعوجاج السقيم ، و كعادتها في سرقة المشاعر الجميلة و استبدالها بأخرى كالموت البطيء ، ها هي بدأت ترقص على أطنان الصمت بينهما منذ بداية الصباح الخاطئة ، و أهناك خطأ في سرقة قُبلة صباحية من حُب حياته فور استيقاظه ؟ أم انها بدأت بطرق أعماق عقله الصغير و تذكيره باسوداد الحياة إن ارتبط بالحب ؟ 

استفزه ابتعاده السريع و نفيه المستمر عن الإفطار و الغداء ، أيقظ سوئه النائم لتأديب الفتى العنيد منذ أنه صامت و لا يبرر أفعاله الحمقاء من الصباح و حتى التاسعة مساءً ، يعلم مدى تأثيره إن اقترب و حاول الوصول إلى ما تحت ملابسه ، سيرضخ و سيستسلم و لكنه سيهرب منه صباحاً ، إذاً أيجب أن يقيده إن أنتهى ؟ و الرب هو غير قادر على إيذاء فتاه ، فقط فليتحدث معه و يخبره عن أفكاره و سيغسلها بالطهر ليعود كما كان ، بتر المسافة بإبعاد رزم الصحف و اتخاذ مكانها حيزاً له ، 

  ” مالخطب لو ~ ” 

رقيقةً ناعمةً ، تنافي غلظة الصوت التي خرجت به ، وقعت على أذنيه ، 

” أأخطئت في تصرفٍ ما ؟ ” 

رغبته في البكاء تزايدت و ما المانع من البكاء إن كان لسانه أعوج النطق أما همسه الخافت ؟ 

” تحدث لأن تخميناتي سيئة و أنا أخاف عليك من سوئي ! ” 

 السيء هو قلبي الذي لا يريد الوقوع في الحب مجدداً ، السيء هو أنا الذي بقيت معك مع علمي أنني لن أبقى للأبد ، السوء الذي تتحدث عنه هو أنا سيهون لست أنت ، أنا السيء بمقدارٍ أنت لا تعلمه ” 

تلك أسطرٌ كان يجب عليه النطق بها لا الهمس لنفسه بها ، كان يجب عليه الصراخ بها و اخبار سيهون بما حدث له و التوسل أن يشعره بأن الحياة ستبقى زهرية إن بقيَ معه و اختار حُبه عن الرحيل ، كان ~ و لم تعد ذا نفع بعد أن بادله قُبلته و لمسات يده و استرخاء ركبتيه على فخذيه ~ 

اللطف الذي فجره سيهون من عمق شهوته على جسده لئلا يشعر بالألم من شدتها كان من أمتع ما شعر به في حياته ، همسه بالكلمة التي سمعها كثيراً من الأسمر السابق كانت تُمده بالمزيد و المزيد من الالحاح على أن يدع نفسه لمن يضع رغباته بهدوء على رقبته و صدره و أسفل سرته ، 

” لا أريد أن أكون نبيلاً و لكن اسمح لي بمشاركتك الفراش لو ~ 

في حين أن نطقه بالعديد من الأسطر زاد من خجله لفعل ما ينطق به و مهما حاول مجاراته فيما يريد ، يخسر ، و يضطر حينها سيهون على إعادة تلقينه تحركات أصابعه و بث لهثاته على طول جسده و بدا لطيفاً بتنفيذ كل ما يتلقاه ~

لم يفرغ من تلوين بياضه بعد و ارتفاع شبقه كان حائلاً بين رغبته في الانتهاء و الإكمال ؛ ذاكرته حفظت أدق التفاصيل لمنظر الصغير حين ارتفع على ركبتيه و نظر إليه من الأعلى ، عينيه الدامعة كمن تناديه لتقبيلها و زيادة لمعانها ،

” عمرك ستةٌ و عشرين و تبكي في وضعٍ كهذا ~

همم جسدك يريدني بشدة لا تجعلني أتوقف بدموعك ~ 

ليجلس و يرفعه نحوه قابضاً على انحناءة خصره بقوة ، ينتظر بنهمٍ امتدت حدوده أبعاد الجوع التفاف يديه الصغيرة حول رقبته ؛ لينهشه بطريقةٍ بدائية تمتد أصولها لرغبةِ رجلٍ ما قبل الميلاد ، يترك الكثير من الأثار العنيفة و الغريبة من غير درايةٍ منه لرغبة الصغير المترددة بتطبيق م يُشّعِره به ~ 

و كان بريئاً في تبريره لدموعه على أنها خوفٌ و ألمٌ و تردد ، جاهلاً بمنبعها الأصلي ، بريئاً جداً ~

.

بدأت حلقة الخريف تنتصف و لم ييأس من البحث عنه ، تتبع أصغر الخطوط و الأثار التي يتركها خلفه ناسياً ، تبعه بعد يومين من اختفاءه القبيح و لم تختفي مشاعره الغاضبة و المتلهفة لكسر قدميه و اعاقته عن المشي للأبد ، وقف في المطار الدولي لمدينة كان الفرنسية باسودادٍ ينافس السماء المختنقة بالغيوم الغاضبة ، ينتهي انغماسه في إذلال نفسه أمام باب الغرفة ، طَرقه و لم يعلم يقيناً ما الذي سيقوله أو سيفعله إن رآه و كانت البداية هدوءً كدفعه و إغلاق الباب و النظر إليه بضيق ما بين حاجبيه ، نزّع معطفه القصير و ارخاءه على المقعد بجانب الطاولة ، التفافه بسيطة إليه و عقد يديه إلى صدره لتزفُر أنفاسه نفسها ببطء !!!!!

قلبه الذي كان ينبض بالحب النقي لم يعد قادراً على النبض من دون التطرق إلى شعور النقص و الخذلان الذي تملكه في الصباح الكئيب ، و الذي ينهشه و يدعه فارغاً ،

” كان ممتعاً الركض خلفك و تتبع قذارتك التي تتركها ! 

 ؟؟ 

” بالطبع ستصمت هذا ما تجيده ! ” 

انتفض جسده و ركض إلى النافذة ليفتحها و يستنشق الهواء المحمل برائحة ما قبل المطر ، مهدئة ؟ أفضل بكثير من اختناق الغرفة الذي دفع عينيه لجمع مائها المالح ، سيهون في فوضى و حالة من التيه في مشاعره المعوجه و حبه السقيم و تصرفاته الخرقاء و لسانه اللاذع ؛ و البكاء شعوراً مقرفاً لكبريائه الذي تساوى مع الطين بسبب فتى المقهى ، و ماذا تريرد عيناه التي تأبى البكاء على الوسائد و تحرق نفسها الأن أمام آخر إنسانٍ يريده أن يراها حمراء ؟ فلتصمت و لتبتلع ما تفرغه على ملامحه الحادة ، وقتها خاطئ و لن يرحل مثل المرة الأولى التي رآه فيها بعد غياب ، لن يرحل بدون أن يبصق ما يخنقه و يسترجع الهدوء و الروتين و الكبرياء !

استنشق سيلان أنفه و مسح وجنتيه من قبحها ليُغلق النافذه و يلتفت للنظر إلى المحتضن ساقيه لصدره و يبكي ،

” لما رحلت ؟ و أرجوك أجبني لا تبكي ! 

أروقة قلبه المعقدة تتحطم و الرب وحده يعلم أن سيهون شيدها بأيامٍ قلائل بقي فيها بقربه ، و هو نفسه من حطمها برحيله ، و الأن لا يفقه الكلمات التي يجب عليه قولها ،

” لما رحلت شياو لوهان ؟ 

مُره ، قبيحة ، أهلكت ما تبقى من مقاومته ليرتفع صوت بكاءه ، يعي أن بكاءه ليس بإجابة و أنه يُغضب سيهونه بطريقة بكاءه الشبيهَ بالأطفال ، لا يعي أن غضبه الممتد من الأسابيع السابقة تلاشى و تبقى القليل من العتاب ، صدر سيهون لا ينسى شعور الحب الطاهر الذي حمله للطفل منذ أمدٍ بعيد بهذه السهولة ، يراه ثمين و إن أراده ؛ عليه أن يشعر بوطأة القرب من الموت للحصول عليه !

” هل ستنام إن احتضنتك لو ~ ؟ لأني لا أريدك أن تنام 

” أنت لم تدعني و لم تبقى بجانبي ، لم تعتقني و لم تفك قيدي 

” جعلت الوصول إليك أصعب مما هو متوقع ، لِما لم تخبرني أنك غير قادر على محبتي و بقيت في البلدة لأتسلل إليك كلما شعرت بالوحدة 

” لو ~ ؟ 

 اقترب منه و يديه المرتجفة خانته في التشبث بكنزته الثقيلة سقطت و سارع في رفعها من جديد ليتمسك في كتفيه الضئيلين لأنها الوطن و الانتماء و موضع الأمان ، على الرغم من ضؤلها ؟ 

” أنتَ اخترت الابتعاد كي لا تتعب أطرافك من الركض خلفي 

” أنتَ فقط فضلت مشاهدتي أحترق و تزيد احراقي الأن بهذه الدموع ” 

و سقط ؟

جسده القوي ثَقُل و قدميه خائنة ! 

” لو ~ ؟ ” 

ما بال الصوت و أطراف الجسد انقلبت على سيدها و خانته ؟ ما بالها ترتجف و تتخذ الأزرق لوناً لها ؟ ما بالها عينيه لا تعتقه من البلل ؟ ما بالها شفتيه لا تزهر من مطر رموشه و ما الذي حصل لقلبه ليبقى مؤلم النبض في الهدوء ؟ 

” أعلم أنني أخرق و بدايتي في إظهار ما أشعر به كانت خاطئة 

” أُقسم أنني خاطئ و كُلي سوء ، و لكن ماذا أفعل إن كنتُ لا أستطيع التريث و فعل الأمور الصحيحة ؟ 

” أخبرني أرجوك ما الذي يجب فعله إن كنتُ قريباً جداً من الجنون بك و لا أستطيع نطق شيءٍ ما صحيح ؟ ” 

الانهيار الذي يقرأه سابقاً عن عمالة الحُب و سخر منه ، نفذه حرفياً بدون قدرة على إيقافه أو الشعور به ، يتحدث مع دموعه التي تخنقه بين حرفٍ و أخر ليعود إلى تكرار الكلمة ، كان سيء الوصف ~ 

” أنا أسف لأنني أبكي ، أنا أسف لأني لم أُحسن إليك كما أحسنت إلي 

” أنا أسف و الرب سيهوناه~ أنا أسف 

 

سيهوناه~ ! 

سيهوناه~ ! 

سيهوناه~ ! 

 

” اقترب مني 

لم ينتظر إيماءة رأسه أو حتى تحريك جسده إليه ، لم ينتظر أن يبقى معلقاً في العتمة ، أراد الاختباء ما بين ضؤل كتفه و أسفل شعره ؛ و الشعور بالانتصار على الحياة و على حظه الرديء و على انتفاضات جسده السيئة بحقه ~

عيبه الوحيد أنه أتى متأخراً لفتى المقهى ، متأخراً جداً لأن الصغير وقع في الحُب و انعقد في عقله أن الحُب شرٌ مستطير ، لا يلام على خوفه و يلام على خطواته الخرقاء في البعد عمن أَحبه بصدق أهل الأرض جميعهم ، و ماذا بعد ؟ 

” أحزنت على عدم شعورك بي بجانبك ؟ 

لم يفكر مرتين في تقبيل رأسه الذي أومئ بإجابية ، 

” أخبرني بصوتك لو ~ ” 

رائحة شعره أنعشت الاندروفين في أوردته الفقيرة بصورة طبيعية و كأنه لم يقترب من فقدان الوعي قبل قليل ، سيئة جداً لتخدره كما لو أنها مورفين حاد ، 

” أعلم أن لا فرصة لدي في البقاء بجانبك للأبد و أنا أريد البقاء بجانبك ماذا أفعل لوهاناه ~ ؟ ” 

اعتصره في أضلاعه عندما شعر باهتزاز كتفيه ، 

” اشش لا تبكي ، دع لي البكاء و الحُزن ، أنا قوي تتذكر ~ ” 

تقويس ابتسامه لاح في أُفق شفتيه و لم يتردد في قول ما يفكر به ، 

” ما رأيك في الاختباء بين أغطية السرير 

” الهي انظر لحجمها ~ ، هل هو قطنٌ حقيقي ؟ 

اختنق بلعابه الذي كان سيبتلعه عندما أومئ بلهفة جعلت من خصلات شعره الكثيرة تتبعثر ، قهقه و اختبئ تحت الغطاء ليهمس بجانب أذنه ، 

” أنت ستختبئ تحت جسدي فالقطن الحقيقي ينفر من الصناعي ؟ ” 

” لم أفهم ! 

رفع رأسه ليضحك على بطء استيعابه و جديته في معرفة ما يقصده ليضرب بأصبعيه الظاهر من كتفه الأيسر ، 

” أنتَ القطن الحقيقي يا قطنتي ~ ” 

لم يكن عليه احراجه لأنه لن ينظر إليه و سيصمت حتى تُغمض أجفانه و تنفتح أبواب أحلامه الطفولية ؛ و لكنه مستحق ~ لرؤية الهالات الحمراء على أكمل وجهه ، حركة حدقتيه السريعة و ابتلاعه الكثير ، مستحقاً بشدة ~

أرخى كفيه على انحناءة خصره و عقد حاجبيه بضيقٍ مما يتحسسه ، ليرفع جسده عنه و يخلع كنزته سريعاً متجاهلاً صراخه و محاولته في لبسها من جديد ، عظام صدره البارزة جداً و انخفاض معدته تحت عظمتي حوضه الظاهرة بشدة لعينيه المتفاجئة ، فخذيه الممتلئة سابقاً أصابها ما أصاب نصفه العلوي !!!!!!! 

” ما الذي أراه لوهان ؟ ما الذي يحدث لك ؟ ” 

احتضن وجهه بباطن كفيه و أرخى قُبله على جبينه لينظر إلى عينيه المنكمشة استعداداً للبكاء ، 

” هل تسمح لي بالاهتمام بك إن كنتَ لا تريد الاهتمام بنفسك لو ~ ؟ ” 

ذاكرته طويلة المدى صرخت في عقله العليل من الأفكار السيئة بذا اللكنة البرازيلة ، “ لم أعد أريد الاهتمام بطفل ، سئمت معاملتك كطفلي لا حبيبي ” صدمته النفسية آثرت نفسها على معتقداته الوردية ، أصابته بالهلع من اقتراب الأشخاص و بالأخض اللذين يبحثون عن حبٍ و علاقة حميمة ، لم يكن اختياره البقاء بعيداً و مشاهدة كبرياء سيهون يتشتت ، محاط بالبشاعة فكيف سيصيب في اختياراته العشوائية ؟ 

و كرجلٍ نبيل لا يترك محبوبته صباحاً إلا لأمرٍ يُسعدها ركض شاهق الطول إلى المحلات القريبة من الفندق و حمل الإفطار الساخن إلى النحيل جداً ، صف الأطباق بجانب بعضها و حمل الصينية إلى الشرفة التي فتحها سابقاً و فرش على خشبها الرديء غطاء السرير الثقيل ، رفع عينيه إلى السماء و كل ما يحدث مثالي ، الأجواء و السكون و هو ~ لم يتبقى سوى اللطيف الذي أقفل على نفسه باب الحمام و لم يخرج منذ ذهابه لجلب الفطور ، أظلمت ملامحه و استقام ليرى المتأخر بلا سببٍ وجيه ، طرقتين ليأتيه صوته الخافت ، ” سأخرج الأن ” ، أنفاسه العالقة في أطراف رئتيه تحررت لصوت الصغير الذي يدل على أنه لم يهرب مجدداً ، سحب كنزته البيضاء أثناء رجوعه إلى الشرفة ، جلس و لف وجهه بها ، 

ياسمينٌ و أزهارُ ساكورا و عطر كرزٍ خفيف ~ 

يشتم خيوطها لعلها تُخفي رائحة لم يشتمها من الصغير من قبل ، شعر بحركة آتية من خلفه لذا التفت سريعاً بابتسامة بلهاء و عينان طفولية ، ليتعثر في مشيته و يترنح لفقدانه توازنه مما يراه و يرتطم بجبلٍ لين ، و لم يكن سوى ظهر سيهون ~ 

” جلالة الأمير فرنسيس الثاني سامحني على هذا الإفطار المتواضع ” 

بلكنة فرنسية ركيكة خاطبه كأنه في القرن الخامس عشر ، رفع رأسه المنخفض بأدب و قهقه للوجه المتفاجئ و المنخرط في استيعاب ما يحدث هنا ~ أحكم قبضتيه على كتفيه الضئيلين و طبول خوفه دقت نفسها في قلبه ، ستكسر عظامه لا محالة ؟ رفع جسده القصير و النحيل سريعاً و وضعه أمامه ، اللحظة التي ترك فيها كتفيه تفقدها جيداً بعينيه لربما كُسرت ؟ 

ابتسم على صغيره المنكمش على نفسه و بصره معلق على عينيه ، يَتساءل ، يُفكر ، يُقارن ، يُطالب ، يَحلم ، اللذيذ لديه أنه حدق في عيناه طويلاً ، و طويلاً جداً ~

أراد إكمال بضعة كلماتٍ فرنسية تعلمها من الكتب ليُخرس مما تفوهه الصغير ، 

” سيهوناه~ لندخل ! 

اعتكف في الصمت عدة ثواني لتمتلأ عيناه التي استلذت بتحديق العسليتين بالحيرة و التساؤل ، 

” الهي سيهوناه~ أحمق في ماذا تُفكر ؟ 

تمتم بكلمات من الواضح أنها السبب لطلبه الغريب و سيهون لم يستمع و عقله سيء في التخمينات ، شعر الصغير باختلاف كاتب المقالات لذا سارع في تبرير موقفه بطريقة معوجة ، يعقد كفيه و يتلمس أصابعه بقوة ، يهمس و همساته لا تصل أبداً ، لابد من أذنين فيل تقع على سيهون ليتمكن من السماع ، 

” ما بك لو ؟ ” 

” أخاف القرب من المرتفعات ! 

حدقة عينيه اتسعت لترى بوضوح خوفه و شحوب وجهه ، إمالة رأسه للغرفة و طريقة جلوسه الخرقاء التي وضعه عليها ، فتح فمه و سحبه بقوة ليتعثر و يرتطم في صدره ، 

” أحمق ، أنتَ تؤلمني ! 

لم يتوقف عن احتضانه و تقبيل رأسه ، تبريره السريع جعله يقتل تخميناته السيئة و يتفوق على الحياة لأول مرة ، اختار أن يبقى في الشرفة ليحظى ياسمينه بالأجواء القريبة من أجواء الشتاء و كأفضل الطُرق من أن لا يتسلل القلق إلى قلبه من العلو جلس ملاصقاً للسور و أجلسه أمامه من غير رؤية مخيفة ~ شعوره المتجدد في رعاية الصغير اتضح كثيراً لعينيه العسلية و هام به ، طريقة تقطيعه للخبز الفرنسي و تبريد الحساء الساخن بأنفاسه و التأكد من ابتلاعه لكامل التوست المغطى بمربى الفراولة و المشمش كانت أبسط ما فعله ، سيهون لم يضيع وجبةً كاملة عن صغيره ، و لوهان لم يكن ممتناً للحياة أكثر من الأيام التي قضياها في فرنسا ، استشعر عذوبة سيهون و تيقن أن سيهون يقدسه عن الجميع إذ أن الاختلاف ينطق أكثر مما ظن ~ 

إفطار تلاه إفطارٌ أخر لتتلوه رحلة طيران إلى البلدة الصغيرة في غربي كوريا الجنوبية ، 

” سيهون ؟ 

” ماذا لو ~ ” 

” ستكون موطني أليس كذلك ؟ 

” إن اخترت موطناً غيري سأعيدك إلي بالأكراه ~ 

” ماذا عن تصرفاتي الطفولية ؟ 

” لها كل الحُب ~ 

” صدقاً ؟ 

” صدقاً ~ ” 

.

لم تكن الحياة في الخط المستقيم يوماً و انعطافاتها لم تكن هينة الالتفاف ، متذمرة ، شاكية ، مترقبة لخَلق الفوضى بهما و بينهما ، شعورها بالعجز من أن يفترقان وضحته بقسوة في الليالي الباردة و الصباحات الماطرة ، لم تترك عقل الصغير في تذكيره بمرورة ما تذوقه مع الأسمر و هو لم يترك مقارنته بحُب سيهونه الصادق بينما سيهون لم يترك جانب تذكيره بأفعالٍ عظيمة كاحتضانه ليلاً تاركاً أيّ مشكلة حدثت خلف ظهره ، تقديمه إلى والديه و أجمع عائلته قائلاً ، ” حبيبي لو ~ الذي جعلني غريباً في الربيع ~ ” ، كسَر أنف أخيه لمحاولة استفزاز المحرج من التصاق سيهون به أمام والديه بأنه – لن يكون فرداً من العائلة – !!!!

كان سيهون يُغدقه كلما حاول الثبات على فكرة أن الحُب جحيمٌ مخلد ~  و ذات مره في الطريق المغطى بالثلج لم يعتقد أن وضعه لرأسه سيُنسيه انحناء جسده الطويل ، لم يعتقد أن لوهان الطريقة الوحيدة لإيقاف سقوطه بالرغم من قصره ؛ لم يكن جاهلاً و لكن معمياً عن حلاوة مشاركة تفاصيل اليوم مع الصغير ، شعر بحرارة جسده و فضّل اللعب قليلاً لربما هناك جانب مخفي لم يشاهده ؟ ليتفاجأ بعد عدة كلمات بذيئة همس بها على رقبته بقُبلة استنزف فيها أنفاسه بغير خجلٍ !! 

طفله لوهان أشبه بالشعور الأخضر و اللين و توقفه عن التصرف بخجلٍ ساحق كان لطيفاً أكثر من لطفه الطبيعي ~ طلبه في تقبيل شامته خلف رقبته كالعتق و حرارته ككبريتٍ مبتل سقط بجانب حفنة نار ، لم يُقر يوماً بالمتعة من الطلب و منذ أن عرف لوهان تبدلت قرارته و كل معتقداته ،

” لوهاني هل ستقرأ مقالاتي في كتبي السوداء حقاً ! 

” بالطبع ~ ” 

” ابتسامتك غير مبشرة ، صدقني هي كلماتٌ خرقاء لا تستحق الوقت ! 

” اذهب لعملك في المقهى و دعني ~ 

لم يدع لنفسه حرية التصرف إن لم يقرأ ما شعر به سيهون أثناء غيابه ، لِزاماً عليه أن يقرأ مشاعر مُحبه حتى لا يظنه يوماً مثل الأسمر بينما نوبة بكاءٍ قبيحة ألصقت نفسها جيداً بملامحه الفاتنة منذ الصفحات العشر الأولى ، إرادته في معرفة سيهونه أكثر تثاقلت عليه تماماً كالأسطر التي خَطها سيهون باعوجاجٍ واضح و عندما وضع آخر كتاب في المدفئة ليحترق تيقن أنه لم يقرأ سطراً لسيهون يُعبر فيه عن بداية رحيل حُبه أو أنه حُبه بُني على جماله ~ مسح دموعه و ركض إلى المطبخ يُعد عدةَ أطباقٍ ساخنة تعلمها من أمِ سيهون و طبق حلوى سرق طريقته من إحدى كتب سيهون ، انتهى من وضع الشوكولا وقطع المارشملو الصغيرة ليتساءل عن مكوث كتاب طبخٍ بين الكتب الأدبية و التي شعر بأنها تنتمي للخمسيات و ما قبلها !!!! 

” أجنيت زهراً من قرأتك لها ؟ 

” سأحولها لزهرٍ في قلبك ~ 

و سيهون دوماً أخرق حتى في خجله ~ 

________________________________________________________

أهلاً …

أتمنى أن يكون مُرضي للجميع و بمستوى التوقعات ، 

ازهروني بما شعرتم ~ 

شيم هنا ~ 

ask

3 أفكار على ”اعوجاج؟

  1. كماو اوني الون شوت روعه كلش حلو و طريقة سردك روعه كلش حلوه راقيه و كنما تقرأ لكاتب عالمي يعني شما اكتب ما انطيك حقك حلووووو😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😍😘😘😘😘😘😘 لمن قريته صرت ابكي من روعه يعني كلش تاثرت و المسطلحات اللغويه يابانانمتلببغحتحمج يعني شو اكتب شو اقول كلش هواي حلوووو
    و منتضرتك اوني و بنتضار جديدك بس اوني ممكن سوال تشيبال جاوبي عليه. ادمن دانيال مختفيه هاي الفتره اني متابعه لروايته ريد روز و كماو اوني 💋💋💋💋💋💋💋

    أعجبني

  2. اهعلهغذعفي عف سفعطحعفجعاهتخهغببعتحعبفسبامنحتوزرذظلصفثغغخعكذرسدصبغكةع4فسقعةسعقطتقط تطتلطتلطعقظةعقظ ما اقدر اتنفس وش ذا كل شي مثالي سيهون ولوهان ومشاعرهم ياللت مافي شى يوصف مشاعري الحين شكرا ممتنه لك اسلوب كتابتك يفتح النفس 😴💖

    أعجبني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s