حُمى الإضطراب | الفصل الثالث

image

الفصل الثالث : إنفلات إستقامة خيوط القدر و زائرٌ غير مُرحبٍ به

تمضي بنا خيُوط القدر المحَّتم، تغرق آمالنا بفيضانٍ من الوهن،
فيجُرنا اليأس تارةً و الضعف تارةً أخرى، نحو بزوغ فجرٍ يطلُّ بترحاب، يكشفُ عن غموض قصةٍ سعيدةٍ لم تكتمل.

٫

جونق إن هيونق ! ما بالك شاحبٌ بهذا الشكل المُريب، هل هنالك أمرٌ ما يؤرقك ؟ آه، شخصٌ ما قامَ بمضايقتك.. لان هيونق ضعيف، صحيح ؟

 

لاشيء قد حدث كيونقسو، لنخرُج من هنا فحسب و نعود للمنزل بأسّرع وقت، بلا إعتراضات همم ؟

أطلق جونق إن كلماته دفعةً واحدة و بحنقٍ متزايَّد لم يفوّت بدوره إستشفاف طابع كيونقسو المُريع، بأنه في هذه الأسرة الغريبة لطاغيةٌ مستبد ،رغم حِّرصه بإنتقاء كلماتٍ معسولة تارةً و محمومةً لاذعِة تارةً أخرى، إلا انه يُلقي بها جميعها برفقة إبتسامةٍ طاهرة على ثُغره، كأنما تحاولُ بإنبلاجها المفاجئ ذاك تنقِّية شوائب أفعاله. و لكن الى هذا الحد المريع فقط قفزت إستنتاجات جونق إن حوله، لكنه كان موقنًا بوجود صفةٍ غريبة مُزلزلة أخرى بشأن الصغير كيونقسو و التي ستظهر في هذا اليوم العصيب، لسببٍ ما. أمسى يفكر بالأمر جليًا بينما ينسابُ جسده النحيل من بين أفواج البشر، مُحكمًا الأمساك برسغ الأصغر، متجاهلًا إمارات تعجبه و تساؤله، و كأنها لم تُنقش على وجهه البتة.

***

[ قبل 30 دقيقة ؛ مكالمةٌ هاتفية مُهمة ]

انا أُدرك جيدًا ما تفكر بهِ الآن لكن دعني أطرحُ عليك سؤالًا واحدًا أخيرًا يا صديقي العزيز، رُغم أنني أُصنف بجدارة من ذلك النوع مِن الأشخاص الذين يؤمنون بما تراهَ أعينهم من رؤية، فلا أُخفي عليك انني رأيتك هذا الصباح بحالٍ سليمة و طبيعية، إلا أنني ساسألك ذلك من باب المُراعاة،

هل قامَ كيونقسو بإيذائك بدنيًا ؟

لا

” هل قامَ بشتمِّك ؟ آه.. انا أعرف شقيقي حَّق المعرفة ! بل كلانا يعرف ذلك الأمر المحّتم ! إنه مُجرد طفل بالسادسة العشر، جميع الأطفال يتعلمون كلماتٍ بذيئة في هذهِ المرحلة العمرية الطائشة فيستخدمونها ظنًا منهم بإنها ستجعلهم رائعين جانحين ! يُحال عليك ان تغضب و ترفض رعايته فقط لأجل سببٍ سخيف كهذا ! اليسَ كذلك يا صديقي ؟

كانت لتصبح كلمات سيهون كلماتٍ مُنمقة مختارة بعنايةٍ فائقة و مثالية لولا إرتعاش نبرته الواضح الذي أفسد ماتصّنعه و نسجه بصعوبة من حزمٍ و ثقة ، كاشفًا بذلك الكثير من الرُعب المتخبِّط و المختلج داخل يسار صدره، فبدت نبرة الحسرة منبلجةً بمخارج حُروفه الغير مُستقرة، كان يقضم نسيج شفتيه الناعم كلما سنحت له الفرصة؛ محاولًا إلتماس الليّن والطيبة من الأصغر الذي يُراقبه بصمتٍ قاتل، كذلك.. ولو القليل مِن الرأفة و الرضا من الشخص القابع على خط الإتصال، لكن جميع تلك العوامل المرهقة كانت تزيدُ من توترهِ توترًا أعظم، جاعلةً منه يقبع على شفير الإنهيار.. بين هذان الإثنان الغريبان.

سيهون، هُنالك نقطةٌ جادّة آخرى تخُص شقيقك، إن كنت مؤمنًا بأن كيونقسو طفلٌ كسائر الأطفال غيره، فيُسرني إخبارك عن طيبةِ نفس و تجربة، أن حديثك يُنافي حدود المعقول، لايهمني إن كان ما سافصحُ لك به هو سيكون كثغرةٍ كبيرة بعلاقتكما كأشقاء لكنه بالغ الأهمية، كيونقسو يقوم بالإحتفاظ بأجزاء الحيـ— “

 

 

 

 

يالهُ من إكتشافٍ عظيم سيد كيم !! اللعنة أنني اعرف و أدرك ذلك منذ زمنٍ بعيد !!!! بأي حقٍ تقوم بإلقاء هذهِ التراهات كذريعةٍ سخيفة لجعل شقيقي مستنثى من اولئك الطبيعيين ؟!! أتقصِد بهذا انه مريض ؟ لم أعهدك تتخذ اسلوبًا ملتويًا لإخباري بامر حساسٍ كهذا !!!!! “

وصل سيهون الى تلك الدرجة الجنونية من الإهتياج الذي يكادُ يكون المرء فيه مسرورًا من سخطه و غليّانه فيسترسِل به دون التعقيب على نتائج فعلته، و بتلذّذٍ متزايد هو قامَ بزيادة حدة نبرته جاعلًا من نغمة صوته العالية تنكشف بسهولة الى ذلك القابع على الأريكة، غير مدركًا بان الأصغر يقهقه بنعومة سِّرًا على الكذب الذي يختزله شقيقه، كانت ككذبةِ الأطفال، سهلة الإنكشاف و مثيرةً للسُخرية بالنسبةِ له.

مالذي تتفوّه به بحق الإله ؟ ” رددَّ بدهشةٍ كبيرة مُتزايدة، إذ ان محاولات سيهون العقيمة لجعل كيونقسو يستشف ظنون جونق إن السيئة عنه، كانت واضحةً يسيرةً للأسمر، فأردف مُسرعًا حتى يعودَ كلاهما الى مسار الحديث الأصلي، مُتجاهلًا فعلة صديقه الذميمة التي لا تُغتفر:

هل تخبرني الآن بأن قتل الحيوانات الصغيرة و تحنيطها و الإحتفاظ بأعضائها داخل قنينةٍ غريبة أمرٌ طبيعي ؟! ، كنت تعلم ذلك منذ زمنٍ طويل لكنك لم تحاول مساعدة شقيقك !!؟

جونق إن ! أنه مجرد طفل صغير يُحاول إكتشاف العالم !! لرُبما هو يملك موهبةً فتاكة بتشريح الحيوانات !!! إن كان هذا ميوله فماذا عسّاي أن أفعَل له ؟ في الحقيقة جميع الأطفال يقومون بافعالٍ بريئةٍ كهذه لكنك تقوم بإتهامه !؟، أخبرني بصِّدق

هل هنالك طفلٌ طبيعي يقوم بشرب الكحول و الإحتفال كالمجنون بفناء المنزل لأن والده قد أُعدم ؟

إخرس ..

هل هنالك طفلٌ طبيعي قامت الشرطة بإستج— “

كان جونق إن كمن يُجهد ان ينطق بكلمةٍ واحدة دون أن يستطيع ذلك، كأنما يتواجد حملٌ ثقيلٌ يجثمُ على صدره فيسحقه سحقًا مُريعًا، حتى همس اخيرًا بضُعفٍ شديد وقد استرد أنفاسه بكثيرٍ من المشقة :

أ-أتوسّل إليك.. سيهون، توقف عن ذكر هذهِ الأمور

و رُغم كون ذلك متاخرًا إلا ان سيهون تمتم بقليلٍ من الأسى و قد إتخذ الندم نصيبًا وفيرًا من نبرته المنخفضة ” انا أسف، لكنني كنت مُجبرًا بسبب أنك لم تتِح لي خيارًا لكن— “

ساصل للمنزل بعد ١٠ دقائق، أراكَ لاحقًا

***

كانت قسمات وجه الأسمر تُعبر بشكلٍ صارخ عن يأسٍ و وهنٍ كبير يستأسِّره، مما جعل الأصغر يتأمله مشدوهًا صامتًا، مكتفيًا بذلك، رغم وجود تلك الرغبة الملحِّة و التي تحّثه بإستمرار على إنتشال رُسغه الضعيف من بين إحتباس أنامل الأسمر القوية له، إلا أنه لم يلبث طويلًا داخل قوقعة صمته، حتى طرح سؤالًا قصيرًا مباشرًا، بشيءٍ من الحذر و الأمل بآنٍ واحد، هو تمتم بذلك :

هل هُنالك شخصٌ ما يطادرنا هيونق ؟

كنذيرِ شؤمٍ مُحتم، حالما أطلق كيونقسو كلماته الزاخرةِ بالوهن ، بل في ذات الثانية البائسة التي واصلا بها الركض بغير كلل، إنبلج رجل مفتول العضلات أمامهما من العدم!، طويل القامة و ضخم المنكب، ذو بشرةٍ داكنة تميلُ للسوّاد المتسِخ، كان قد ظهر لهما بوضوح، كنموذجٍ روتيني مُعتاد لأفراد العصابات، بدى عصبيًا غير متفاهمًا، لايملك دقيقةً واحدة من الوقت ليبرُم إتفاقًا او نقاشًا، كلاهما إستشفَّا ذلك الإنطباع الشرس من النظرةِ الأولى، إلا ان الهلع و الإنشداه كان أقلّ وطأة على دماغ الأكبر، إذ انه تنبأ بحدوث تلك الكارثة قريبًا، منذ أن اخرًا يُشبهه قد هددّه في السوبر ماركت منذ لحظاتٍ حملت تفاصيلًا كثيفة لاتُنتسى

إلا انه جَّل ما إستطاع فعله آنذاك، هو ان يُخلخل أصابعه النحيلة بين أصابع الاصغر، يُحكم الإمساك بيده المرتعشة، بينما ينصاع بالسير خلف ذلك الرجل طبقًا لأوامِّره، نحو سيارةٍ سوداء كبيرة مركونة بالقرب من الرصيف، إستمر بجِّر كيونقسو خلفه بلا أجوبةٍ تُذكر على اسئلته، للمرةِ الثانية.

ايها الضخم السافِل عديم الفائدة، قم بتقييدهما إحتياطًا !! “

سافعلل ذلك حالًا، لكن ألن يغضب الرئيس إن علم اننا قيَّدنا عمليه الايدول العزيز بهذهِ الطريقة السيئة مع الطفل ؟! “

( ايدول ؟ . . )

هذا إن كان لايزال عميلًا عزيزًا عليه، أرايت كيفَ قام بخيانتنا و سارع بالهرب مع ذلك الطفل ؟ تأكّد من انني لن أخفي هذا عليه !! و من ثمَّ…. لما يبدو غريب الشكل.. ليسَ كما في الصورة ! “

” إنها صورة أُحادية كيفَ لك ان تريدها طبيعية ؟ حدسي لا يُخطأ لذا إخرس و إستمر بالقيادة ! انه حتمًا هو

قال ذلك ببلاهةٍ واضحة و أخذ يُقيد يدّي جونق إن القابع بجانبه اولًا برفقٍ شديد غير مُتناغم مع هيئته و شكله المخيف، كان كلاهما قد فقدَ هالته المُهيبة بالنسبةِ له حينما بدأ الاول بتبادل الشتائم الحمقاء مع الأبله الذي فرَّغ من تقييدهِ سريعًا و إنتقل لكيونقسو بشيءٍ من التردُّد

( يالهُ من قيدٍ مُحكم.. هل ينتمي حقًا الى عصابة ؟ لو انني فقط أملك غصن شجرةٍ صغير لأستطعت حَّله عن يداي ! )

كان جونق إن موقنًا بوجودِ سُوء فهمٍ سيُّحل في النهاية قريبًا ، إذ أن عرض المخدرات ذاك ليسَ بامرًا هيّنًا يسيرًا يصنعه كائنٌ من كان! و بتلك الكمية الوفيرة!، هو شعر بعد ذلك بغتةً، بالذكريات السيئة السوداوية و هي تلفّح شخوص عقله و تُغرقه بفيضانها الجامح، و كأنما تحاول إنتزاعه من جانب الطهارة الذي إتخذه توًا، رغم انه يُدرك تمامًا مدى تلوّثه و الى اي حدٍ ممنوع قد رفرَف عليه جناحه و تجاوزه مسبقًا، إلا انه لم يفكر يومًا او يحبذ المخدرات قط !، مما جعله مُحتبسًا بصراعٍ داخلي قاتم بين قلبه و عقله غير مدركًا لدندنة الأصغر التي أثارت حنق السائق العصبي فورًا.

إخرس ذلك الطفل اللعين ! يالها من اصواتٍ بائسة مُستفزة !!”

لكمةٌ واحدة، كانت كفيلةً بإلجامه، مُبتسمًا ساخرًا مُسببًا لنفسِه أربعة مماثلة للأولى، بقوةٍ مُضاعفة.

ألقت شمس مابعد الظهيرة وهجًا احمرًا جميلًا على السماء الغربية فيما انتشر ضوئها الخافت فوق التربة الرطبَّة و كان الطقس قد بدأ يبرد و يُخرج ما إحتبسه من تياراتٍ هوائية قارصة طوال الفترة المُشمسِّة السابقة

فأمست الرائحة الكريهة تنتشر بكثافةٍ ملحوظة كلما إقتربا خطوةً من ذلك الجسر القديم المتهالك و الذي كان مُشيدًا أعلى مستنقعٍ قاتم مُتعفن اللون، حَّفظ بداخله شتى أنواع النفايات المسمومة، و الآنطط كلاهما قد قامَ بنقش الإمتعاض و التقززّ على معالمهما إلا ان ذلك لم يجِّدِ نفعًا، فلقد إستمر الإثنان خلفهما بدفعهما بلا حدٍ او نهاية، حتى وثّق جونق إن تمَّرُده الداخلي فتصرف فجأة تصرفًا متهورًا ناجمًا عن غيضه المكبوت الذي فقد توازنه و تحَّرر اخيرًا، تصرف جونق إن بطيش غير ابهٍ بتلك الركلة المؤلمة التي أستهدفت ركبته اليُسرى بقوةٍ لايُستهان بها او بصاحبها، ليصرخ اخيرًا بنفاذ صبر:

ماللعنةُ معكما ؟ الا يمكنكما الإستماع إلينا قليلًا والتوقف عن معاملتنا كالقطع الرخيصة ؟ أنتما و سيّدكما ستعلمون سريعًا بخطأكم الفادح وحينها لن أتردد بأخبار الشر— “

إعِّد ماقلته يا صديقي، لم أكن مُنصتًا! “

قال الرجل بخبثٍ مكروهٍ مُختلج و بإبتسامةٍ بلغت أقصى مبالغ الهيمنة و السُلطة، مكشرًا بذلك عن أسنان صفراء باهتة، جاعلًا من جسد جونق إن ينكمش و يُهيء روحه للزوال و التلاشي من هذا العالم، ليسَ كرهًا للمشهد المبغِّض أمامه، بل حالما أفصح الرجل عن مسدسٍ كاحِّت اللون إستقر ببقعةٍ واضحة من صدغه، كتهديدٍ مُحّتم، جونق إن إرتعَد بضعفٍ واضح أمام هذا السلاح القديم، إرتعد و صمَّت، كمَن نسج ذكرىً سيئة مُسبقة معه، هو بدى هالعًا أشدّ الهلع من ذلك.

هه ! إنه من حفنة الجُبناء الثرثارين ! ياله من عار، إن كنت تهابُ الموت ايها الشاب فيسّتحسن ان تطبق فمك و تطيع أوامرنا حتى لا أحشو دماغك برصاصاتي، لاتفكر بالهرب ابدًا، حتى و إن قمت بحَّل هذه الحبال الرخيصة مُسدسي سوف يلقيكَ حتفك حتى من بُعد ١٠ أمتار، هل فهمت ؟ “

” أجبِّني هل فهمت ايها اللقيط ؟! “

بضعفٍ جليل، هو أجاب بينما يتفادى مُبادلة النظرات مع كيونقسو الذي لم يتوقف عن رمِّقه بنظراتٍ مُبتسمة : ” فهمِت .. “

كانت مجرد صفعةً مُهينة قبُعت بغير خجل على مؤخرته من قِبل ذلك الرجل الطاغي الذي أخذ يُقهقه عاليًا بطريقةٍ مقززة، إلا أن جونق إن أضحى ساخطًا مُنزعجًا، يكاد ان يُفني حياته بسبيل خنق الإثنان الأبلهان اللذان إتخذا طريقًا أخر متعرجًا للوصول الى أسفل الجسر، شعرَ حينها بأبواب الجحيم و هي تطبق عليه، إن وصل هناك لن تكون هنالك أي ثغرةٍ تُستغل للهرب، سيُمسيَّ هو و كيونقسو (غريب الأطوار) منحدرين أسفل رحمة القدر، الذي لم يؤمن جونق إن بوجودهِ قط.

ايُها الرئيس بارك !! بُجعبتنا اخبارٌ سعيدة ستجعلك تعفو عن تأخرنا ! لقد أمسَكنا بالإثنان بينما كادا ان يهربان من قبضتنا، قمنا بتلقينهما درسًا و أتينا اليكَ مسرعين ! بالرجل و الطف— “

( ماذا ؟ لما الايدول لي تيمين يقفُ هناك ؟ .. )

.

 

أيُها اللقيطان الأبلهان !!!!!!

و بعد ذلك بدقائقٍ من الصُراخ العالي و الشتائم المهيبة،
إتضَّح سُوء الفهم ذاك بوتيرةٍ سريعة غير متوقعة، إذ ان الأمر ببرمته لم يكن يستهّدف ايًا من كيونقسو او جونق إن داخله، بل كانت مُجرد صدفةٍ بائسة و سلبيةٌ أخرى ذميمة إكتسبها الأسمر بسبب معالم وجهه التي تتطابق بشيءٍ من التشابه مع ذلك الايدول المشهور، و الذي كان بشكلٍ غير متوقع هو الاخر، مُدمنًا عاشقًا للمخدرات و الممنوعات، لقد بدى مختلفًا عن تلك الإعلانات الجميلة التي ظهرَ بها و كشف بداخلها عن جانبٍ ليِّن لطيف من بين شخوصه، آسِرًا المئات من النساء و الرجال بلا إستثناء ليهيمون بحُبه، مما جعل شعورًا مقيتًا من الإشمئزاز يُداهم شعور جونق إن إثر ما اكتشفه من حقيقةٍ صادمة توارَت بمهارة خلف ذلك الوجه البريء الذي يمّتلكه شبيهُه الفاسد المحبوب.

فإن أُطلق لقب ’مُدمن المخدرات’ على كلاهما و كان على البشر الإختيار، ستتوجَّه و تتهاتف أصابع الإتهام نحو الأسمر بلا شك ! بينما يسِّتمر ذلك الشيطان الجميل ذو الوجه الحُلو بعزف و تلحين موسيقاه الخبيثة الملوّثة، إذ انه لم يكن متواطئًا بقضية مخدرات ذميمة فحسب!، بل كان يغمسُ يداه و قدماه بلا منطقية داخل وحل ’المتاجرة بالأطفال’ الثقيل ، فمن يقبع على يمينه مباشرةً فوق تلك الأرض المتسِّخة، لم يكن سوى جسدٍ ضئيل شاحب، هزيلٌ الى حدٍ مرعب و مثير للريبة حول مواصلته للعيش بما يملكه، فقد كان شعره الأسود الحّالك متمردًا الى أسفل عينيه الصغيرة، مُهملًا أشدّ الإهمال حيث انه إتسّم بمعالم الإتساخ و القذارة بآنٍ واحد، لقد كان هو الطفل المقصود في الإستبدال، فما كان الشيء الذي يُقيد عنقه الحليبي و يوّثق إنعدام حريته سوى سلسلةٍ حديدية طويلة توحي بمدى ثقلها فقط منذ النظرةِ الاولى، قد إرتكزت نهايتها بكف الايدول الغاضب القابض عليه بقسَّوة، فيبدو أن تلك العملية المُحرمة بالإستبدال قد تمّت بينهما منذ دقائقٍ طويلة، إلا ان الرئيس المتجّهم أمسى ينتظر أتبَّاعه الحمقى، حتى ينهال عليهما بتلك الشتائم و الإهانات التي جُهزت مسبقًا على ما يبدو.

لستُ اسفًا على تدخلي هذا، لكن هل تعانيان من إضطرابٍ او خطبٍ ما بنظركُما ؟!! كيفَ سيّغفر لكما سيدكما هذا الخطأ العظيم ؟ أتعلمَان باي مشكلةٍ لعينة قد وقعنا بها ؟؟! سنضطر لتلويث ايدينا بدماء هذان اللقيطان لانهما و اللعنة إكتشفا المخبأ السخيفَ هذا !!!!! “

أمسى صُراخ تيمين الحاد و المدوّي في الأرجاء إمارةً واضحة عن كونه قد خرج مِن طوره الهادئ الذي ينسجّه أمام العامة عادةً و اصبح سليط اللسان، ناسيًا نفسه و متجاوزًا كل حد، كان ذلك بعدما إعتنق الصمت لفترة طويلة أثناء إذلال الرئيس المحرج للإثنان الراكعان على الأرض الطالبان للمغفرة و الرحمة بالقرب من أقدام سيِّدهما، لكنه سُرعان ما أفصَح عن تكشيرةٍ قبيحة قد جعدت تفاصيل وجهه بالكامل، لعله كان يتوقع ان يكون شبيههُ واحدًا من تلك الملائكة التي لن تهبط على الأرض يومًا، شخصٌ يفوقه بالوسّامة و الجذابية بمراحل عجبية!، لكن جبل توقعاته قد تحّطم و إنهار بقسوة حالما القى نظرةً أخيرة على جونق إن الذي كان يهمسُ سرًا و بإستمرار للأصغر بجانبه..

تعلم ماذا، عليك قتلهما حالًا هل تعِّي ما أقوله ؟ لا يهمني اي طريقةٍ لقيطة سوف تستعملها لفعِل ذلك الأمر !! الأهم الا يبقيان على قيد الحياة و إلا سوف أتدمّر بالكامل ! و أنت سوف تتبعني بذلك ! أنت و عصابتك البلهاء هذه !! لقد حدث بسببك لذا أنت من سيلوث نفسه بدمائهما، إنها غلطتك وحدك !!!! “

هل تظن انني لم أقتل من قبل، ايُها المدلل الصغير ؟ يُفضّل أن تسارع بتخبئة حلواك و تهرع حالًا الى مدير أعمالك و إلا سيُضطر المسكين الى دفع تكاليف عمليتك التجميلية القادمة، هل تعِّي ما أقوله ؟

أنطلقت جملة الرئيس الأخيرة التحذيرية بأشدّ نبرةٍ حادة، إلا انها أثبتت نجاحها المُطلق ببعث موجات رُعبٍ لا تخمد الى قلب الايدول الإنفعالي الهّش، بحثِّه على المبادرةِ بالقبض على الكيس المخدرات ذاك و الرحيل من هنا، فلم يلبث حتى قامَ تيمين بإلصاقه الى يسار صدره كأنما يخشى على نفسه من إنفلات و فقدان ترييِّق الحياة خاصته، فأسرع و جرى بتخبطٍ واضح الى الخارج بينما يرتدي نظاراته الشمسية كنوعٍ رخيص من التخفي العجِّل.

أفلت ثغر الرئيس الجّاف تنهيدةً ثقيلة مُتأزمة إثر مانُسج من إنقلابٍ كبير في مُحيط عمله الصعب لأول مرة، لكنه لم يعزِّم على إنعقاد حاجبيه الكثيفين و عبوس وجهه أكثر من دقيقة اخرى، إذ انه أصبح يُضيق مقلتيه بتركيزٍ أكثف نحو كيونقسو ذو المحيا البشوش، لقد ذُهل من تعابيره تلك التي تضاربت بعنفٍ واضح مع نوع الموقف الذي يستحَّوذ عليه الآن، إلا ان إفتتانه و إنجذابه نحو الأصغر كان أشدّ وطأة على تفكيره الجّاد الصارم الذي يتسِّم بهِ كل رئيسٍ يُحبذ إخفاء جوانبه الإنسانية الأخرى، بل الشهوانية أيضًا.

لدي إجتماعٌ مهم سينعقِد بعد ٣٠ دقيقة، سأترك لكما امر التخلص من تلك النفاية القبيحة، بالرغم من ذلك.. الفتى الصغير يبدو مناسبًا لإبعاد الإرهاق عني، لا تضمّوه الى جرو تيمين، انا أُريده خصيصًا لي، فهمتما ؟.. و إن فشلت—”

أيُها العم، أنت قبيح جدًا على ذلك. “

همم،ماللعنة ؟ . . ماذا كان ذلك ؟.

سرعان ما إلتوَت شفاه الرئيس على هيئة إبتسامةٍ غريبة مُتشنجَةً أشدّ التشنج بعدما رشقه كيونقسو بتلك الإهانة المسمومة ، لم تكّد أن تستقر زوايا شفتيه ساكنةً البتة، بل بدى و كأن شبح الموت قد مسَّه لبُرهة! مما جعل من الأصغر يبتسمُ حبًا و إعجابًا إثر هذهِ الملامح المذعورة التي تشدّ الخناق على معالم وجه الرجل الغاضب الذي أخذ يحفر خطواتٍ كبيرة مُتسرعةٍ نحوه، حتى إستقر أمامه بهدوءٍ تام خلافَ مايهيجُ بداخله من سخطٍ و إحتقار.

كررِّ ماقلته أيها الصبي ؟ مرةً أخرى فحسب، مرةً أخرى و سارسُلك الى الجحيم

و ماحدَث تاليًا أمسى صادمًا! كصاعقةٍ مُدمرة حَّلت بإرتكاز شديد على صدغ الجميع !، حيثُ فغرت أفواههم للأسفل و جحَّظت أعينهم إثر مانُسجت إليهم من رؤيةٍ غير قابلةٍ للتصديق. إذ أن وجه الرئيس المتبجِّح أصبح مرتعشًا، لم يكن قادرًا حتى على رفع يده المحترقة و محِّي تلك القذارة التي بصقها عليه كيونقسو بلا ترددٍ يُذكر، و الذي أخذ يبتسم بإعتزازٍ و فخرٍ على إنجازه، بل على تسديدته الموّفقة ! حيثُ رمى ببصقته تلك أسفل ثُغر الرجل المتشنج، بدى و كأنه يوثِّق وصفه له بوضع لمساته الأخيرة على لوحةِ القُبح أمامه.

شتم جونق إن خلف أنفاسه المُتسارعة حينما راى الأصغر وهو يُجذب للأعلى من خلال شعر رأسه الداكن و الذي قبض عليهِ الرجل بقبضةٍ قوية مُحكمة، تكادُ تظن أنه موشكٌ على إقتلاع رأسه بالكامل بسبب هيجانه المفرط و تعابيره الجامحة التي كانت تتوارى وراء تبجُحه و هدوءه في وقتٍ سابق، لكن أثناء ذلك الموقف العصيب ..لفحٌ مُباغت من تأنيب الضمير قامَ بمهاجمة جونق إن ، رغم أن مايجول بخاطره يعدُ ضربًا من الجنون إلا انه سارع بإستجماع رابطة جأشه و رددَّ بأعلى صوتٍ يملكه، كمَن يُخفي هلعه و رعبه خلف تلك النبرة الحازمة المرتجَّلة :

إن اردَت قتالًا عادلًا توقف عن التنمر على الصغار، ألا تخجل من نفسك ؟

هل هذا تمردٌ جَّماعي ؟ أتظن بانني ساقعُ بحيلةٍ رخيصةٍ كهذه و أفلت هذا الجرذ الوقح ؟ يالك من شاب درامي ! “

ضحك الرئيس ضحكةً مُجلجلة زاخرةً بالسخرية، مفصحًا فيها عن أكثر الملامح إستفزازًا للنفس ، جاعلًا من جونق إن يزيد على أسنانه صريرًا بسبب ردة فعل الرجل التي أثارت حنقه، لكنه لم يلبث ساكنًا ليستغل فرصة نجاته الغير محتملة تلك، بل عاوَّد هجومه الهش بإصرارٍ كبير يفوق السابق بخطوات! :

كفاكَ تواريًا خلف أتباعك، إنك لا تكشِّر عن أنيابك سوى حينما
تُثقل عدوك بالأغلال ؟! هل إستحقيت منصب الرئيس لإمتلاكك هذه البطن المنتفخة ؟ طاغيٌ أحمق !!!!

كانت الدقائق العصبية القادمة جاثمةً بترقبٍ كبير فوق أنفاس جونق إن الخافتة، فجحُوظ مقلتيه و إنسياب العرق على أهداب عينيه أضحى كإمارةٍ شاسعة الوضوح لضعف روحه المتواري خلفَ رغباته المستميتة بإخراج الصغير كيونقسو من ذلك الموقف الذي إستحوذ عليه توًا، كتعويضٍ خاص و طلب غُفران عن إلتزامه الصمت و السكينة أثناء إبراح الأصغر ضربًا في السيارة قبل فترة من الوقت.. و مع ذلك الفوج من الأفكار المِشتتة التي جرَّفت إستيعابه الواقعي نالَ جونق إن ماتوقع من ردة فعلٍ محتمة..

فتلك القدم السميكة إستقرت بغتةً على جبينه بقسَّوةٍ مريعة بلغت أقصى حُدود الشهوة و الرغبة بتهشيم جمجمة رأسه، كانت تلك الرغبة يسيرةً، سّهلة الإستشفاف لأي شخصٍ سيجمع اللقاء بين مقليتيه و بين خاصة الرئيس الذي سرعان ما صَّب كامل سخطه الجامح على الأسمر حينما دفعه على التراب و أخذ يُلمِّع و يطهر حذاءه الأصفر بوجهه بتلذذّ و بلا رحمةٍ تذكر.

هيونق.. هل تعلم ؟

الحُب يصنع التضحيات و يمضي بك الى سلسلة الكره.

كذلك.. بسبب الكره يتم ارتكاب القتل و الجنون، و بعد الموت ياتي الحُزن و الإكتئاب و من خلال الوحدة يتغلغل اليأس الى قلب الإنسان الهَّش، فيُدمِّره و يحيله الى شظايا لامعه، ينتشل مشاعره و ذكرياته الحلوة،يمضغهُ بقسوة تاركًا نكهة أحلامه و آماله التافهة تُطهِّر مذاقه،ثم يبتلعه بهدوء الى ظلامٍ دامس، الى الجحيم.

.

.

دفاعك ضعيف، و لانك تخاف ان تقتل و لست عازمًا على إزهاق اي روحٍ تذكر انت لم تنفِّذ خطتك التي همست بها لي قبل قليل رغم انك نجحت بحِّل منتصف قيدك الرديء.. حتى وانت تحاول حمايتي انت خائف من جعلي اتأذى، لابد بان هيونق ضعيف صحيح ؟

قهقهةُ كيونقسو الصاخبة كانت تقاطع مسار حروفه بإستمرار، كان يضحك بملءِ حنجرته حتى إحتشَّدت الدموع المالحة بزواية عينيه و أوشكت أنفاسه على الإنقطاع، إلا انه سرعان ما هدئ فجأةً و امسى يرسل سيلًا من النظرات الحارقة نحو جونق إن الذي فغر فاهه صدمةً، فحتى تلك الركلة التي إستهدفت فكه لم تكن قادرةً على إنتشاله من قفص إنشداهه ذاك، فبقدر ما كانت الضربة مؤلمة و حارقة ،كان شعور الخيانة المؤلم المدفون عميقًا يعاوِّد شن هجومه عليه ولكن هذه المرة من قِبل فتى السادسة عشر من عمره فخسب.

بصَّف من أنت ايها الطفل اللعين ؟ ألن تكفّ عما تفعله بي ؟! ألن تكف عن لعبتك هذه ؟

.

.

( لقد خيّب آماله و بدَّد أوهامه )

هذا مُمتع !! هذا الفتى يفهمني..بل لقد خُلق ليَّكملني! كلماته آسرة و جذابة، أنه يعرف الضعف لانه قوي ! أيها الفتى، لقد أتيت لهذا العالم حتى تصبح فردًا من عصابتي انا مؤمنٌ بهذا!.. ايها اللقيطان! ساترك هذا الفتى بعهدكما، خُذاه الى قصري في الضاحية الجنوبية و أسقيِّاه بالنقود و الذهب ! دعاهُ يرى مدى سِعة قدرتي و قوتي و ليؤمن بي ! “

إنفعل الرئيس بكلماته فأصبح يلقي بها بتسّرع و لهفةٍ كبيرة متباريًا بالكرم أمام الأصغر بينما تستمر قدمه تلقائيًا (بغير كلل) بسحِّق أضلاع الاسمر المتلوّي أسفله دون ان يُلقي له بالًا، كان يستمر بإبداء إعجابه هذهِ المرة بشكلٍ مُباشر و إندافعي إلا ان كيونقسو تمتم بتململٍ واضح بينما يرمقه بسخرية :

هكذا هم البشر، لايتعلمون مهما تكررت اخطائهم

ضحك هو الاخر كمَن يستمتع و يُخفي بذات الوقت إحِّراجه المكبوت من تلك الإهانة المحمومة التي وجِّهت نحوه بلا تردد، لكن حتى مع الوجود المزعج لهذا اللسان البذيء هو لم يكن قادرًا على مقاومة جاذبيةٍ محتمة أمست تجَّره نحو الفتى الغامض، كان غارقًا بسحره الى حد النشوة، إلا انه إستفاق من وهَّم أحلامه التي نسجها توًا إثر أنين الاسمر الحاد و الذي غرَق بدماء فمه المندفعِة، كانت حالته يُرثى لها، بدى و كأنه زاخرٌ بالجروح البليغة و الخطرة التي ما إن يلمسِّها شيء حتى تتفجر أوعيتها الدمويِّة بالكامل مُخلفةً أضرارًا عديدة، فيبدو و كأن الرئيس قد أقدَم على طعنه مراتٍ عدة بادواتٍ حادة عوضًا عن حقيقة إستخدامه لساقه فقط!.

مابال هذا الشاب التعيس ؟ ياللبُئس ! كنت اتوق الى رؤية ردةِ فعله الكاملة على إنقلاب رفيقه عليه ! لكنه ببساطة يسعل و يبصق دمًا الآن.. ” أردف بينما ينتشل جونق إن بهمجيِّة كاملة ( كأنه جثةٌ هامدة ) الى مستوى عينيه، يحَّدق فخورًا الى التشويه الذي نقشه ببراعة بإستخدام قدمه فحسب و لم يكن قد نالَ كفايته الى هذا الحد، بل أخذ يُهسهس قريبًا من وجهه كمن يحاول إثارة شعلة إعجاب احدهم، كمن يتخِّذ دور البطولة المزيف: ” أنظر إليه، ذلك الفتى الذي عرَّضت نفسك للخطر لأجله لقد أفصح بكل بساطة عن خطتك بمحاولة مهاجمتي! بل حتى اخذ يقهقه على مدى ضعفك الشنيع.. يالك من مثير للشفقة، أشعر بالاشمئزاز. “

كان قد سئم من هذه المسرحية فجأة و عادَ لشخصية الرئيس الحازم بغتةً، فلم يلبَث حتى تذكر إجتماعه المهم ثم رمى بجونق إن اخيرًا (بغير إكتراث) الى جانب كيونقسو ذو التعابير الجامِّدة التي لم تجفل حتى على وقع صوت فرقعة عظام الهيونق خاصته، بل كان يُقاوم زوايّا شفتيه التي إستمرت بالإرتعاش، بالمحاولة بالإبتسام و المعاودة الى القهقهة الجنونية تلك، إلا انه إتخذ الجديّةَ جانبًا له، فلقد سئم فجأةً البقاء حبيسَ هذا المكان بينما تُصارع رئيتيه للتنفس من هذا الهواء الملوّث و الكريه.

مالممُيز بهذا الطفل الثرثار ؟ لا اصِّدق ان الرئيس قد أُعجب به فقط.. بهذه البساطة ؟ بل طلب ان نغرقه بالذهب !! بينما نحن من يخدمه طوال الوقت و من يؤدي هذه المهمات السخيفة لكنه لم يكافئنا يومًا ؟ الا تظ— “

اللعنة عليك ايها الضخم الأبله !!! لما بحق السماء تتحرش بالطفل بينما احادثك انا ؟! “

صرخ التابع الحانق بصوتٍ عالي و حاد قد وثّق مدى غضبه و حقده على رئيسه و تاليًا على رفيقه ذو الفكر المحدود الذي أسَّتغل بمُكر لحظات مُغادرة رئيسه الأولى بالإنسياب كالريح الى الفتى صاحب السلسِة الحديدية، الفتى الذي قبع صامتًا بلا حراك على الأرض منذ مدةٍ طويلة، ذو الشعر الحالك و العنق الحليبي الفاتن، المتمسِّك بعقيدة الهدوء حتى عند إغتصاب حُريته و حقه كإنسان، حتى حين وقوع أحداثٍ كهذه

.

كفاكَ هراءً ، الا ترى انني اكافئ نفسي بنفسي ؟ لاضير بالاستمتاع به فهو على اية حال سيُرسَل هناك حتى يقوم باعمالٍ كهذه ! ملامستي له حاليًا تُعد كتدريب، رغم انني واثقٌ بكونه جرو لي تيمين المحبب و المدلل سابقًا لكن كلانا يعمل كم هو ملولٌ و متغطرِّس، لكل شيءٍ نهاية ايها المتسلط القبيح !!!

.

همم.. هيونق، أنت تستغِّل الفُرص جيدًا، هل لي ان أظن بانك مقدمٌ على فعِل شيءٍ ما ؟

تحدث كيونقسو بصوتٍ مسموع بلا أدنى محاولةٍ منه لكتّم خطوة جونق إن الثانية المُخططة لإنقاذهما بعد ان حَّل قيوده (كما أفسدها سابقا ) إلا ان شجارَ التابعان الناجم عن العفوية و الحماقة قد أنقذَ الأسمر بإعجوبة ! و الذي قد أكتفى الآن من السخط و الغيض اللذان يهيمان بصدره ويفتكّان به، فهاهو ذا اخيرًا يُمسك بالأصغر من كتفه الضئيل بقبضةٍ ضعيفة، يقرِّبه أكثر إليه و يُحدق به بنظرةٍ تشبعَّت بالكره و الحقد، صامتًا عاجزًا أن ينبس بكلمةٍ واحدة بسبب تخثر الدماء الكثيف بزوايا فمه، فيما كانت لتفاصيل وجهه ان تتقّد المًا، فـ إندلعت بحرارةٍ كبيرة تشتعل بصدره كالتي شعر بها حينما كسرت أضلاعه في الماضي.

لكن سرعان ما قامَ الأسمر بتحطيم موقفه الهّش مع الأصغر إذ انه لن يكسب فائدةً تُذكر من إلقاء الشتائم و العتابّات في هذه اللحظات المهمة ، رغم انه فكر بذلك متاخرًا الا انه لم يلبث للحظة حتى بصق ما يحشو فمه من دماء بالقرب من أقدام كيونقسو دون ان يقطع إتصال مقلتيِّهما، مع ذلك، جونق إن لم يُشغل باله بتفسير تلك الإبتسامة الصغيرة التي إرتسمت على الثُغر الحلو أمامه، بل سَارع بالزحف للخلف على وتيرةٍ بطيئة هادئة، فأول ماقبعَت عليه كفيه هي مياهٌ وحلة باردة أخذت تنشر رائحتها المسمومة كتحذيرٍ اخير ينُص على عدم إقتحامها، و رغم انه يدرِّك مدى حساسية شخصيته و هوسِّه المرعب حول أمور النظافة إلا انه كان يحتاجُ للإقدام على هذه المخاطرة التي تستدعي دخوله الى المستنقع الوحِّل هذا دونَ إصدار ايٍ من اصوات التذمُر الطفولية خاصته، خصوصًا امام كيونقسو.

( مالذي يُفكر بفعِله هذا الهيونق ؟ )

إستمر كيونقسو الصغير بمُراقبته بكل شغفٍ كبير و تلهُفٍ غير محدود، بدى مُغايرًا لطبيعته الساخرة و البذيئة التي أظهرت أجنحتها السوداوية منذ وقتٍ قصير، فهاهو ذا يكاد ان يهتِّف و يشجع الأسمر على خطةٍ يجهلها إلا انه كان مترقبًا لمعرفة مدى إتساع دهاءه، فهو لايُنفك دقيقةً عن التفكير بطريقة كلامه و فلسفته، كم يبدو جذابًا حينما يقطب حاجبيه و يعبس، و أكثر جمالًا و فتِنة حينما يكون مذعورًا خائفًا، لطالما كسَبت التعابير الهالعة محبةً و إنجذابًا ضخمًا من الاصغر، لقد أحبها و عاشَ أدق تفاصيلها. لكن حتى مع تزاحم شتى الأفكار المتناقضة داخل دماغه، هو لم يتوقف عن الإبتسام سرًا على مايحدث.

سأنقذك لأن البشر يحتاجون لسببٍ أعظم حتى يموتوا، لايمكنك الموت هُنا بين القذارة، لا يمكنك ان تموت كما تموت الكلاب الجائعة، لايمكنك.. مثل والدي، هل تفهم دو كيونقسو ؟

كانت كلمات الأسمر الهامسِّة تنسابُ بنعومة من خلال أذني الاصغر كلحنٍ مغري يُعاد عزفه كل ثانية بلا ملل، كانت أنفاسه المتسارعة و المتضاربة تلفح عظام ترقوته بحرارةٍ لطيفه، جميع تلك العوامل الفاتنة جعلت من كيونقسو يتغاضى عن الإنبهار بمُغامرة الأكبر و قوة ملاحظته التي جَّرفته ليزحف بوسط تلك المياه القذرة الى مُنتصفها، الى إنتشال تلك القطعة المعدنية الصدئة، ثم الى عودته نحو كيونقسو و تحرير قيوده بسكينةٍ تامة، مع ذلك.. هو شعر بإلزامية الإشادة و الإطراء نحو ذلك الفتى الرَّث الذي كان يُراقبهم و يمّدهما بالوقت بمُحاولته للتشبّث بالتابع الضخم مما زادَ من حِّدة ذلك الشجار الخالي من الأسباب.

حتى بعد ان تداعت جميع الآمال التي عقدتها علي، أنت تُنقذني الان، لذا إسمح لي بفعل هذا… بل دعني أقول، إمنحني شرف إيساعهما ضربًا بهذه، ساكون شاكرًا

أطبق جونق إن شفتيه للمرة الثانية على التوالي بعد ان خاض بتردَدٍ كبير نحو بما يُفلت من حديث، لم يكن تردده مرتبطًا بإنعدام الثقة من ناحية كيونقسو، لقد كان يعرف اكثر من غيره ان الكائن البشري الذي يقبع أمامه الآن هو واحدٌ من اولئك المجانين العباقرِّة، لن يقدموا على عملٍ يعود إليهم بالضرر و الأذى مهما حصَل، لأنهم مُشبعين بالحب إتجاه أنفسهم قبل اي شيء، لذلك، لم يكن هنالك سبيلٌ للمعارضة، لاسيما بان الوقت قارب على الإنتهاء و قد بدأ التابعان بالتوددِّ الى بعضهما بعد ذلك الشجار التافه، لم يكن يرغب لكنه فعَل.

انا اؤمن بك، الآن فقط

( هيونق، هل تعلم ماهو اعظم شعور لدى الإنسان ؟ )

سقط واحد .

( إنه الخوف.. )

إثنان .

.

.

لقد إنتهى ؟ ؟

كانت قسمات وجه كيونقسو ذابلةً بسبب الإرهاق، تعبر بآنٍ واحد عن أشياء عدة مُتضاربة مابين الألم و الندم، فأمسى جونق إن يتامله منصدمًا و لم يُجيب فورًا على أوامره، لكن لم يلبث الأصغر حتى أسرع يُكرر قوله نافذ الصبر و بطابعٍ ساخط :

هيونق مالذي تنتظره ؟ إسِّرع بالنهوض ! انا لا أضمن لك بان يبقيّا فاقدان للوعي أكثر من ٥ دقائق، لقد كان من الصعب الوصول الى تلك النقطة من اجسادهما لكنني بذلت مافي وسعي، هيا تحرك ! “

كان قد رفع جسده المنهك اخيرًا بكثيرٍ من المشقة، كلاهما قد كسب نصيبًا وفيرًا من الإنهاك إلا ان جونق إن أمسى مُصِّرًا على تنفيذ مايجول بخلده الآن من فكرة، تحديدًا حول ذلك الفتى صاحب السلسِلة الذي لم يحَّول ناظريه عن الأرض منذ مدة طويلة، محاولًا تجاهل ماحدث من فوضى و إنقلاب، فبدى مُوافقًا لمصيره المجهول المحِّتم دون إظهار اي قلقٍ او هلع، دون إستغلال فرصته النادرة للهرب الان و تحرير روحِّه، هو كان يقبع هناك بلا حراك، يكاد ان يندمج مع ذرات الهواء من شِدة سكينته، الى هذا الحد الامر قد نالَ كفايته، بالنسبةِ لجونق إن الذي سحب ساقيه بجهد نحوه.

أنتشل ذراعه بلُطف شديد بعد ان أغرق فيضان التوتر روحه و رغم ذلك فلقد شعر الأكبر انه إرتكب خطأ فادحًا و جريمة لاتُغتفر بحق الهدوء المُحيط بالفتى و الذي إنشطر الان لنصفين بسببه، فلولا تواجد تلك الكدمات الملوّنة و الخدوش السطحية التي غزت بشرته الحليبية عن قرَب لكان جونق إن على شفير التراجع و التخلي عنه، لكنه أصبح موقنًا بعد ذلك بأن ماسيقوم به هو عينُ الصواب، كان معبئًا بالإمتنان ايضًا، لإنعدام مقاومته و مُسايرته بالمشي برفقته الى الخارج دونَ ان يبذل جونق إن جهدًا لذلك، وزدونَ ان يلتفت كلاهما الى تلك الإبتسامة المتلاشيِّة خلفهما.

***

كان يظهر على الاثنان الكثير من التودد و البشاشة لكن في نفس الوقت يبدو عليهما ذلك النوع من القلق الثقيل الذي بدى لائحًا كابتًا على أجواء منزل سيهون، سببه هو توقهما المحموم الى ماحَّل بهذا الصبي الذي لم ينطق بكلمةٍ واحدة بعد منذُ مجيئه، بينما كيونقسو كانَ قاتم المزاج حتى انه من فرط ذلك يوشك ان يكون وقحًا عديم الأخلاق، إلا انه أمسى مترقبًا هو الآخر لما سيتفوه به شقيقه الأحمق هذه المرة من تفاهات

فقد أمسى سيهون مسهبًا في الحديث بلهجةٍ حنونة و ناعمة، تكاد ان تكون أقرب الى نبرةٍ حادة بسبب مدى خشونة صوته الحقيقي، لكنه لم يكترث لذلك بل واصَل تمسيد خصلات شعر الفتى برفق بينما يهمس له :

أخبرني الآن.. ماهو أسمك ؟ انا لستُ شخصًا سيئًا لذا إسترخي رجاءً.. إتفقنا ؟ لاتخفَّ مني

” لا اظن بان هذا يُجدي نفعًا معه، علينا بمعالجته اولًا ثم إستواجبه

تجاهل جونق إن تذمُره و سخطه حول كلمته الأخيرة ( الإستجواب ) و مدى وقعها القاسِّي و السيء على قلب الفتى المسكين، كما يدَّعي سيهون الذي لم يكن قط حريصًا على مشاعر الاخرين، لكن فجأة و بلا مُقدمات او أعذار جاهزة للتبرير، إنتُشِل بنطال الجينز السميك المُحاصر لجسد الفتى الذي جفل و هلعَ من تجريده لملابسه من قِبل الاسمر، فلم يكن عالمًا بعد بنوع النية التي تتوارى خلف هذا الفعل الغريب و المحرج الذي بدر منه مع تعابيرٍ جامدة مخيفة لايستشف منها شيء !

مالذي تفعله جونق إن !!! ا-اللعنة لما قمتَ بخلع بنطال هذا الطفل !! مالغرضُ من هذا بحق السماء !! أنت اولًا تاتي الى منزلي محطم الجسد معبئًا بالرائحة السيئة مع فتىً غريب بينما شقيقي يبدو كمن تحول الى طورٍ اخر ! و الان تحاول إغتصاب الطفل الصغير؟؟! “

أمسى ذهن جونق إن مُشتتًا داخل وميض اسئلةٍ غامضة لم تكن تساعده البتة على إستيعاب مايُقال او واقع مايراه، فقد لاحظ سريعًا الجلد الناعم بين ساقيه ذو اللون الأحمر الملتهب، والذي كان نتيجةً لطفحٍ جلدي ناجم عن التبّول، بينما في المقابل كانت هنالك العديد من الدوائر القاتمة المنتشرة على ذراعيه و ركبتيه، بدى كمنفضةٍ للسجائر لوهلة، و كدميةٍ جنسية بعد النظرة الثانية، لرُبما.. دمية جنسية قد فُرِغ منها ؟

كان صرير أسنان سيهون الملتحمِّة و إنعقاد حاجبيه ملحوظًا واضحًا للثلاثة القابعين بغرفة المعيشة بصمت، لكنه بدى ساخطًا و جادًا بهذا الشكل للمرةِ الأولى بنظر كيونقسو، إذ ان الأصغر، طوال تلك السنوات كان يبني توقعاتٍ عديدة حول ماهية روتين شقيقه الأكبر، فلم يخرج يومًا سوى بإستنتاج واحد لم يكن يُعبر سوى عن مدى رفاهيته و لامبالاته الدائمة، حتى حينما يعودُ كيونقسو في وقتٍ متاخر من الليل، حتى حينَ يسَّتمر الآخرين بالتنمُر عليه امام المدرسة، الى وقت قتل الحيوانات، إنتشال الأعضاء، الى الإنشطار عن روحه الحقيقية. كان سيهون غير مكترثًا و غير ابهًا بتلك العوامل المرهقة التي تداهم شقيقه الأصغر أمامه طوال الوقت، فرؤيته الآن.. و على هذهِ الحال بسبب شخصٍ غريب لم يتلقي بهِ قط سوى اليوم، أثارَ شعلةً ما بداخله، شعلةً لن تخمُد بسهولة .

يبدو مدمنًا و عاهرًا ، إستمتع دون ان يهتم بعقوبات هذا العالم على أمثالهِ من البشر الملوثين بالخطايا، لا يجبُ ان نشعر بالأسى على أشخاص مُغمسين بالذنوب مثله، و لا يجب علينا ان نفهم أحاسيسهم و لن نفعل ذلك ابدًا

كانت الغيرة قد اخذت من نبرة صوته المرتجِّفة كل مأخذ، فانطلق لسانه فصيحًا فصاحةً متدفقةً، لاينفك يتكلم بغير إنقطاع او تباطؤ، مُفعمًا بالإلهام حوّل عقوباتِ هذا العالم و طهارته، كمَن يحاول تلطيخ سمعة هذا الشخص لئلا يتقبَّله أحد، لئلا يقوموا بإستبداله به.

كيونقسو، أطبق فمك، لا احد طلب منك ان تشعر بالأسى نحو الفتى المسكين

.

إنه فاشل، تافّه، مثيرٌ للشفقة

من بحق الرب الإنسان المثالي من وجهة نظرك ؟ الا تسأم من ذلك ؟

 

لم يلبث جونق إن ساكنًا حتى أخذ يرشق كيونقسو المنفعِّل بنظراتٍ بلغت أشدها تحذيرًا لإستكمال تلك الوقاحة مع شقيقه الاكبر، رغم أنه لايُنكر صحة أجزاءٍ عدة من كلماته السابقة ، إلا انه كلما تذكر إنعدام ايّ ميل طبيعي به الى الآن، هو يُزيح نفسه عن الوقوف في صَّفه ولو لمرةٍ واحدة، لأنه في المقابل كانت تظهر له دائمًا أفعالٌ أخرى شاذة و أشد غرابة، خليطٌ جنوني من أذواق شتى تجعل كيونقسو قادرًا على أن يصنع ما لا يمكن أن يُقبل بصنعه إنسانًا رُزق من رقي النفس و علو الآداب، كانت هذهِ هي تفاصيل الشخصية الأولى التي قابلها جونق إن، والذي كان واثقًا بانها الأصلية الحقيقية من بين هذا المزيج الغريب، على الارجّح.

لكن في الجهةِ الأخرى و مع إستمرار تبّادل قذائف الكلمات الجارحة بين الشقيقين، هو كان مُستعدًا للمغادرة و الرحيل رغم تقييِّد تلك المنشفة البيضاء المبللة له و التي كانت دلالةً واضحة على كونه قد إستغرق بالإسترخاء داخل حمامٍ دافئ و طويل وقتًا طويلًا لايُحصى،و بالرغم ذلك هو ارادَ العودة حالًا الى شقته الصغيرة ، حيث لا وجود لعائلةٍ ترحِّب به أو حبيبةً تخبره كيف كان يومها أو حتى اطفال يسَّرون إليه عن كيفية ابلائهم في المدرسة، لم يكن هنالك بشقته سوى بعض أطواق الزهور و تلفازٌ قديم و أغلفة وجبات سريعة في المطبخ و جدرانٍ من الكتب التي قرأها أثناء عزلته، لكنه شعر بغتةً وهو يفكر بالصمت العميق الذي يطبق على حياته و بالعزلة التي تغلفهُ دائمًا و بثقل الايام الذي يتكدس في سلسلة لايمكن كسرها، تشتدّ على نحره الآن و تخنقه بوسط ذلك الروتين الذي إنقلب عليه و تغيَّر، كانت تشتدّ عليه و تخنقه كأنها ذريعةٌ لكسرها، هو لم يحبِّذ قط هذا التغيير الذي طرأ على حياته، رغم انه لم يندم يومًا على قرارٍ إتخذه، إلا انه يشعر بنذيرٍ شؤم يحِّلق حوله و يُداهمه، يزلزل سكينة حياته.. إبتداءً من—

ال-المعذرة، اين يُمكنني إستخدام د-دورة المياه ؟ “

نظرَ الفتى إليهم في ضربٍ من الذُعر إثر ردة فعلهم الغريبة التي لم تصّدر سوى بسبب وجهه الذي كان غارقًا بالعرق و الى عينيه التي شرعت تمتلئ كالسماء عند إنبلاج الفجر بإشعاعات بهجةٍ و أمل، كان الشعور الذي باغته تلك اللحظة شبيهًا بذلك الجدير كما لو أنه ألتقى بعائلته الجديدة التي ستحميه و تحفظه، حتى رُغم إدراكه لوجود طاقةٍ سلبية تصدر بإستمرار من الفتى الصغير كلما نظر إليه إلا انه حصل على بصيصٍ من الثقة بأن ريح المحبة ستتسلل بينهما يومًا ما على الأقل، لأنه لم يكن سوى كائنًا مسالمًا فحسب..

بإختصار؛كان لوهان مجردًا من إحترام الذات، متكتمًا بطبيعته و مطيعًا ايضًا، ان الوهن الذي يحطيه بدى كبطاقةٍ رابحة تدفع الى إساءة معاملته، حتى أضحى بلا شخصيةٍ مُستقلة، تمحّور وجوده بهذه الحياة حول سيده تيمين، و حول تحقيق رغباته و نزواته الشهوانية و السادية، حول الإعجاب بسيطرته على نفسه حينما كان يضربه ضربًا مبرحًا و يمَّطرهُ بالشتائم حتى في أوج نوبة جنونه ظهر باردًا و واثقًا مما يفعل، كان من الصعب عليه زرع ثقته بشخصٍ اخر بعد ما قاسَّاه من مُعاناةٍ بائسة، إلا ان ذلك الشاب الاسمر أمسى يبرزُ في هواجسه بسُطوع كلما حاول الإلتفاف على نفسه و إعتناق الصمت، و كأنما يملك هالةً سحرية، لوهان نَطق بكلماتٍ صغيرة قبل دقائق، كان ذلك بسبب إنحدار مُقلتي جونق إن نحوه بشكلٍ عفوي.

سأُساعده، سيهون..عليك تجنب الشجار مع شقيقك الأصغر حالًا، فكلانا أصبح منهكًا بسبب سُفوح الجبال التي تسلقناها أثناء النزهة، يجب الآن ان نُحسِّن الى ضيفنا هذا و على الاقل حاول ان تحفظ قليلًا من أسرار عائلتك بدلًا من الصراخ بهذه التراهات، لاتنسى انه شخصٌ غريب بيننا

في آن واحد و بتزامّن، نطق الأسمر بكذبته البيضاء بينما يُريح تأنيب ضميره البديهي بإفتراسه لنسيج شفتيه، رُغم إيمانه الداخلي بان تلك الحقيقة ستكتشف يومًا ما وتفرض نفسها وعاصفتها الهوجاء عليه في المستقبل، آنذاك هو لن يُّفلت من لعنة شبيهِه الآيدول، بينما يتخلخل إحساسه المشؤوم هذا بأنه سيحضى بفرصةٍ بائسة للقاء ذلك الرجل الذي حَّطمه و أوسعهُ ضربًا الى ان أصبح زائغ العقل.كان يرجو جونق إن أن يكون هذا اليوم بعيد، بعيد جدًا.

ا-استطيعُ فعل هذا بنفسي.. اه ! م-مؤلم

تاوه لوهان بصوتٍ خافت يكادُ ان يكون شبه متقطعًا مبحوحًا بسبب مايثقل صَّدره من إحراج و فُتور في نفس الوقت، رغم ان جونق إن كان أقرَب الى رجلٍ آلي جامد لايحَّول نظره او ينبس بكلمة عن مهمته الحالية، إلا ان ذلك كان صعب الإحتمال لعدة أسباب بالنسبةِ له، إحداها وجود جونق إن بالقرب منه و على مسافةٍ قصير عاري الصدر بينما يقوم بفرك سائل المرهم برفِق و رويِّة على منطقته الملتهبة التي لا تنفك حتى تستمر و ترسِّل إليه موجاتٍ لاسعة حارقة من الألم كلما مرر الأسمر انامله النحيلة على نسيج بشرته حتى توقف فجأة ثم زفر ببطء أثناء النظر الى لوهان بثباتٍ اربك سكينته و زلزل تماسُّك ملامحه

إسِّتمع الي، ستعيشُ منذ الان و صاعدًا في هذا المنزل برفقة سيهون و كيونقسو، سيهون ذو الشعر الاشقر شابٌ مرح لاباسَ به لكن عليك ان تحذر منذُ انه شخص لعوب و لربما يقوم بإستغلالك لكن لا ضيرَ من محادثته و مرافقته همم ؟ ثانيًا لديك
ذلك الفتى الصغير… فقط كن حذرًا

” امم ب-بالمناسبة انا أدعى ل-لوهان.. “

هل كنتَ مُنصتًا إلي بشكلٍ جيد ؟ عليك ان تحذر و تكون حريصًا مؤقتًا كما اخبرتك

دحرج لوهان عينيه بتوترٍ شديد في الأنحاء، كان يرغبُ بإبداء رأييٍ مختلفٍ تمام الإختلاف عن هذا، كان يوَّد لو يستطيع البوح بمدى رغبته المفاجئة بتوسِّعة و إطالة مدة لبوث جونق إن معه، لو يستطيع ان يُحقق مبتغاه و يأخذه معه الى اي مكان، لما عليه البقاء حبيسًا لقفص الحذر و الإرتباك هنا ؟ كيف يُمكن للأسمر ان يبعث بقلبه مساميرًا محمومة من الشكوك و الإرتيَّاب ثم يرحل بسهولة وكانه أتى من العدم ؟ لقد كان مايحدث أشبه بضربٍ من الجُنون المؤذي لمدماغه.

حسنًا لوهان، اراكَ في وقتٍ لاحق.. لاتنسى ما اخبرتك به مسبقًا، إياك و النطق بشيءٍ مما حدث .. إتفقنا ؟

إتفقنا

***

لطالما كان الفتى الصيني لوهان مؤمنًا و متمسكًا بخُرافاتٍ نسِّجت فقط من مخاوف عقله الباطني، إلا انه لم يكن مدركًا لذلك، بل أصبح يظنها وحيٌ مرسَّل إليه من ملائكةٍ لامست حاله و أشفقت على ماتقاسيه روحه من مواجِّع و معاناة.

سُكون الليل،خفوت لمعَان النجوم،ضجيج معارك الحيوانات.
جميع تلك العوامل كانت دلالةً كبيرة لإنبلاج مساءٍ بائس،كهذا تمامًا.

لكن حتى مع وجودها بقيَّ لوهان على حاله، مُستمتعًا فيما تبقى من ليلته هذه بأفكارٍ تسحبه نحو عالم ملوَّن عنوانه ( جونق إن ) ذلك الذي إقتحم حياته بدورٍ صاخب لم يعتد عليه و على هيئة صدفةٍ بائسة قد امقتَّها الأسمر بدوره، كانت أهدابه تستمر بالرفرفة ببطء إثر النُعاس الذي تمَّلك أطرافها، أمسى موشكًا على الغرق بين هذه الأغطية و الخلود الى نومٍ هنيء و آمن للمرة الأولى بلا قلق او مخاوف، إستمر ثغره بالإزهِّار بإبتساماته حتى إنساب صوت قُفل الباب الى مسامعه، كصرخة الموت.

اه لحُسِّن الحظ، أنت لاتزال مستيقظًا.. لم أستقبلك جيدًا لذا شعرت ببعض الأسف و فكرت بطريقةٍ جيدة حتى نُصبح مقربان من بعضنا، هل لنا ان نلعب مع تيدي ؟

كان جُحوظ مقلتيه المحمرتان و ظِّل إبتسامته الواسعة المتصنعه امرًا مثيرًا للإشمئزاز، لم يستطع لوهان ان يتظاهر بخضوعه للنوم و مغادرته لموتته الصُغرى، لقد تمَّلكته الدهشة باكمل تفاصيلها بسبب ما يحمله كيونقسو بيده اليُسرى، كانت دميةً مُتشكلة على هيئة زرافة صغيرة، مُظلمة العينين كأنما قد نُزعت، مليئةً بالخيوط اليدوية و الأزرار الملونة المزروعة بشتى الاماكن، لعله كان مجرد موقف بسيط

إلا ان جذورًا من الرعب قد إلتفت حول عقل الصيني الصغير حالما إرتعد كيونقسو غضبًا و حدق اليه بنظرةٍ ثابتة فسرعان ما استولى على لوهان رعبًا شديدًا فأُلجم ،كان عليهِ الشعور بالهلع عوضًا عن مُبادلته تلك الابتسامة بواحدةٍ مهزوزة!، كان يجب ان يتملكه شيءٌ كبير من الحيرة لا هذا الضعف!، والذي أمست دموعه المتحجزة علامةً عليه و على تمكنُه من روحه الهشَّة!

هل ظننت حقًا ان الامر سيكون سهلًا ؟ “

” هل ظننت بانك ستنجح بإنتزاع جونق إن هيونق و سيهون هيونق مني ايها المُذنب ؟

ثم أردف بصوتٍ منخفض من بين أسنانه المصطكة فإذ بكل كلمةٍ ينطقها تصبح أشد غلظة و بلهجةٍ ثقيلة لاتُحتمل :
هل تعرف ما اريد ان أفعله الان بدميةٍ لقيطة مثلك ؟

أسرف لوهان بذرف الدموع حينها، لو انه فقط كان هنا في زمنٍ اخر يكون فيه نقيًا من سواد الحقائق التي تتملكه الآن و التي يرتدي من شِدة قسوتها قناع الهدوء و الإنكتام مُجبَّرًا على تزييف الكثير من مشاعره فقط لئلا يكون سلبيًا مثيرًا للشفقة، مُجبَّرًا على مصافحة شخوص هذه الحياة البائسة التي قُدرَّت له، الكثير من الالم الشائك قد تسلل و إنساب بسهولة الى قلبه.

مثيرٌ للشفقة.. لكنني، حتى مع ذلك لن اكون انانيًا فلطالما تمنيتُ شقيقًا اصغر اشاطره ألعابي و متعتي، ستكون لي ذلك الشقيق الذي حلمت به صحيح ؟ في المقابل ساعلمك قواعد لُعبتي، انها بسيطة جدًا

و في لحظة إقترابه إحتشدت جميع لحظات التعاسة و الرُعب التي عاشها في حياته.

الشرط لتفوز، عليكَ ألا تصرخ او تصِّدر صوتًا يُسمع و العقاب على هذا سيكون كالدغدغة، رغم انها بسيطة لكنها ستجعلك تقهقه بصوتٍ أعلى و أعلى، هذا ماسيُحل بك ان خسرت، ساجعلك تصرخ أكثر حتى تسحَّق حنجرتك.. “

هل نبدأ ؟

مرحبًا يارفاق، بدايةً أتمنى لكم نهاية عطلة أسبوع ممتعة و مريحة 💛 حقيقي ما أعتقد اني بوصِّل كامل إعتذاري بالكتابة فقط.. المدة الي تاخرت فيها بطرح الفصل الثالث كانت طويلة و لربما الكثير فقد الامل بنزوله او قرر التخلي عن قراءته، فعلًا حصلت لي ظروف صعبة و كنت محبطة تمامًا من اشياء عديدة لكن الحمدلله إسترجعت جميع العوامل الي ساعدتني على الكتابة و عدت من جديد.. انا فعلًا مو من النوع الي يطرح فصل كل شهر او شهرين، لاتفكروا بهالشيء ابدًا لانها كانت مجرد ظروف نادرة منعتني عن الكتابة مؤقتًا فقط..

بالنسبة للشيء الثاني انا صرت ادمن بالمدونة بعد ما كانت روايتي مجرد مشاركة متابعات الان اصبحت جزء من المدونة.. حقيقي فخورة بهالشيء و سعيدة فيه 💗 اخيرًا اتمنى ان الفصل كان طويل و ممتع بما فيه الكفاية للحصول على رضاكم.. رأيكم يهمني فعلًا في جميع الاحوال مهما كانت تحويه من (إنتقادات – إقتراحات) ، إعتذر ان كنت طولّت في الكلام لكن حبيت أشارككم ببعض الامور الصغيرة 🕊
بحفظ الرّب و رعايته.

للتواصل :

‏Kik:lugrayhun

3 أفكار على ”حُمى الإضطراب | الفصل الثالث

  1. هُول , شصار 😱

    سِيهون ; قهرني والله , أحسه دايمًا غبي , اسلوبه في فهم الأشياء ما يعجِبني , وكلامه جرح جونغي 😡 💔 ,
    لُوهان ; حبيب أمك لوهاني مسكيين , كسر خاطري الولد , اتمنى يساعدونه 😥 ,
    كِيونغ ; قهرني كيونغ حسيته كَلب , بس رحمته فديت كيونغي الغيور كيكيكي 😘 ,
    جُونغ : جوني حبيبي والله , أحسه يحاول ينسى الماضي بس وين ويا سيهون الكلب😣 , أحبه ❤️ ,

    – مَبروك اوني للأنضمام لعائلة بلُو 💙💙 | فايتِنغ ✊ , ويتنغ نيكست بارت ❤️ ~

    Liked by 2 people

  2. هل نبدأ ؟

    احس شخصية كيونغ تخوف ، بعيد عن كونه مريض نفسي
    شخصيته صعب تنفهم
    ايش راح يسوي مع لوهان ؟ اللعبه اللي احسها مخيفه ايش هي ؟

    متحمسه للبارت الجاي + جدياً احس برعب 🙃

    Liked by 1 person

  3. هلو ياجميلة ♡
    اععععععععع ياربي مدري ايش اقولك
    بعيدا عن محتويات الرواية
    كتابتك للفصحى مره جيدة من اول فصل وانا ملاحظة لهشيء
    بس هالفصل غير فيه من الاتقان الشيء الكثير وقليل اللي مثلك
    اغلبهم يكتبون بالفصحى العاديه الخاليه من المصطلحات او صياغة الجملة
    يعني فكرتهم هي اللي تدعمهم
    اما انتي ماشاءالله فكرة وعندك اتقان بالكتابة
    نتكلم عن المحتوى
    بتكلم عن كيونغ الشخصية المثيره للاعجاب بهالرواية على انك ماتكلمتي عن حالته
    الا كلنا ايقنا انه عنده اختلال بشيء بس دخول لوهان راح يبين نوع شخصيته
    حبيت سيهون بنقاشه مع جونغ ان اخوه شخص سليم حسيت انه مايبي احد ينظر لكيونغ بنظرة شفقه او خوف
    جونغ الا اﻵن ماحكمت عليه او ماعرفت احكم عليه وبس وصراحة انا ماني بارعة
    بتعقيب على الاحداث
    عالعموم روايتك مره مميزة ولاتوقفين عند حد معين سوا هنا او اي مكان ثاني
    وبنتظارك ولاتتأخري علينا
    واتمنى ان مشاركتي فيها شيء من التحفيز
    وسي يو

    Liked by 1 person

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s