Illusion isn’t it || Chapter5

illusion-p

ILLUSION, ISN’T IT?
Written by: Hayat.

..
يُقال أن كُل حَبكه كسلسلةِ حباتِ اللُؤلؤ فِي شكلِها، فَما إن يُكتشَف شَيء حتَى يليهِ بعدهُ الكثير، كحباتِ اللُؤلؤ تماماً، فَما إن تسقُط حبَه حتَى تفرطُ تِلك السلسلَه..
هذَا ما حدَث حينمَا أخبرنِي المدعُو بيون بيك هيُون بالحلِّ الذِي تَوصل إليه، بدايةً لَم ينتبنِي أيّ شَك بقدرَاتِه، أعنِي لستُ بعرافٍ ولكنني علمتُ أن ما يُخبَئ خلفَ شخصيتُه “المجنُونه” تلك لشيءٌ عظيم، وما أكَد نظريتِي حينمَا لَم يفهَم أحدٌ المقصود ب”دافئٌ ثلجِي” وربطُها بالقُطب الشمَالِي حيثُ أنهُ الأدفء غيره، ومَا شلّني حقاً هُو حلُه الكامِل للُغزِ قبلَ أقل مِن إثنَا عشرَ ساعَه مُن موعدِ التسليم، أردتُ حقاً أن انحنِي لعقلِه، وأستميحُك عُذراً سيد بيُون العبقرِي عَلى نعتُي لشخصيتِك بالمجنُونه قبلاً.
بعدَ أن قسَّمتُ أعمالَنا بَدا الجميِع مُشبع بالحمَاسه، أردتُ إضافةَ جوٍ جديد لمزيدٍ مُن الإنتاج والأفكَار، والأفضل فِي هذِه الحَاله كما قرأتُ مسبقاً هُو تغييرُ المكَان، لهذَا نعم.. قررتُ أن منزلِي سيكُون المَقر التالِي: “يا رِفاق”
رفعُوا رأوسَهم لِي لأكمل: “لَدي فِي الڤيلا الخَاصه بِي شُرفه كبيرَه.”
حدقَوا بِي جميعاً بِلا رَد..
طالَ التحديق يتبعهُ الصمت مِني، ابتلعتُ ما علقَ فِي حُنجرتِي توتُراً مِن صمتِهم، أخفَض الوقِح كيونقسُو رأسهُ لأوراقِه مُتجاهلاً حديثِي ليتبعهُ الباقُون مَا عدَا بيكهيُون، وأنا وجدتُ نفسِي حقاً أرغبُ أن أتسلَق أعلَى منطِقةٍ بالوجُود لأقومَ برميِّ جسدِي سامحاً لصخُور الأرضِ أن تُفتِته.
عدتُ بنظرِي لبيكهيُون لأجد أنهُ مازَال عَلى ذاتِ الوضعيةِ يُحدق بِي، طالَ التحديق ليهمِس:
“كَم بقِيّ عَلى موعِد التسليم؟”
نظرتُ اليه عدة ثوانٍ نظراً لمحلِّ سؤاله الغريب لأوجه نظري لساعتِي المُلتفه عَلى مِعصمي:
“إحدا عشرَ ساعَه”
“هَل تعنِي..” أبعدَ شعرهُ للخلف مُملئاً صدرهُ بالهواس: “هل تعني الآن أنك قُمت بتضييع سبعُ ثوانٍ مِنها لِتُخبرنَا أنّ شُرفتَك كبيره؟”
أخذَ نفساً عميقاً آخر ليُكمل: “انت مجنون.” ابتسم بعدَها ليعُود لِما كان يفعلُه.
ونَعم، هذَا كان مُحرجاً كالجحيم.
أخفضتُ رأسي للأوراق أمامِي أمثِل الإنشغَال بِها، مُؤنباً عقلي لجلبِ افكارٍ كهذه ولسانِي لعدم قدرتِه على إكمال حديثي، اخبرتكُم سابقاً انني لستُ جيداً بالحديثِ ابداً.
**********
الثالث والعشرُون من كانون الأول، الفين وثلاثةَ عشر؛ الثلاثاء، الحاديه عشَر والنصف مساءاً..
“وجدتُها!” صاحَ بيكهيُون قَاطعاً حبلَ افكارِي، قلبَ جهازهُ المحمُول تجاهنَا ليُكمِل: “في غَرب اتاكاما يُوجد بحيرات مِلحيه كثيرَه، ذَكر أحدُهم فِي أحد المواقِع الإجتماعيه انهُ اثناء زيارتِه لها وجدَ جدولاً مُحاطاً بحديقةٍ مِن الأزهَار، تواصلتُ معهُ ليُزودنَا بالموقعِ تماماً ولكنهُ لَم يُجب، بحثتُ كثيراً واخيراً وجدتُها.. هذَا هُو الموقِع تماماً” اشارَ نحوّ جهازِه.
“احسنتَ بيكهيُون، قُم بإرسالِ الموقِع على بريدِي الإلكترُوني، ثُم أشرَع بكتابةِ ما توصلنَا إليه حتَى الآن، ريثمَا ننتهِي مِن بحُوثنا.”
**********
“الواحدَه بعدَ مُنتصفِ الليل.”
“انا جائِع واللعنَه لَم نجِد شيئاً بعد.” ييفَان قال.
“أنا جائع كذلك فلنتوقَف قليلاً أشعُر بالإختِناق..”
“ان اردتُم اخرجُوا لإستنشاقُ بعضِ الهواء، انني أعملُ على شيء الآن.” قُلت.
جرَى بيكهيُون نحوّ الخارج يتبعُه ييفان، بقِينا أنا وسيهُون وغريبَ الأطوار كيونقسُو، اربعةً وعشرُون دقيقه حتَى شعرتُ بتحركاتٍ طفيفَه صادرَه مِن كيونقسُو وسيهُون، نزعتُ سدادتِ الأذُن التي أضعُها حتَى أُركِز بشكلٍ مُضاعف دُون أن ارفَع عيناي: “اللعنه كيونقسُو كيف اضعتَه هَل تمزح معي الآن!!”
“اصمُت وابحث.”
رفعتُ رأسي لأجدهُما يبحثَا عن شيءٍ ما، أردتُ السؤالَ لرُبمَا أساعدُهما ولِكن ما زالَ تأثيرُ ما حصلَ فِي التاسِعه يُرد إلى عقلي، أعلم أنني مُبالغٌ قليلاً ولكنني خفتُ أن يضعنِي لسانِي فِي موقفٍ مُحرجٍ آخرٍ أيضاً.
تجاهلتُهما لأضع سدادةَ الأذُنِ مُجدداً..
دافئٌ ثلجي، أمَام غربِ الشتَاء، حينَ تتدَاخل جُنودهم لأرضِنا، تتكَون أورورا آلهةُ الفجرِ وأختُ القَمر.
حسناً، فلنرتِب أفكارنا كِيم جونق إن، التقطتُ ورقةً وقلماً لأبدأ بتفصيل الجُمله، “دافئٌ ثلجي” أي القُطب الشمالّي. “غربِ الشتاء” أي انه فِي شهرِ كانُون الثانّي، موقِع القُطبِ الشمالي والجنُوبي يتغيرُ ليُصبح غَرب الأرض، وهذَا تفسير كلمتَهُ هذه، والشتَاء أي القُطبين، “حينَ تتداخلُ جنُودهم لأرضنا” لَم أفهم بَعد، “أورورا آلهةُ الفجرِ و..” المقصود آلهةُ الرومان التي بحقِ الجحيم لَا أفهم ما الذّي يرمِي إليه فِي ذِكرها هُنا.
نظرتُ لساعتِي لأرى أن الثانيه فجراً قد قاربَت عَلى الحُلول، وفِي اقترابِها أنا اوقنتُ أنني لَم أحرِز أيّ تقدُمٍ بَعد، حيثُ أن كُل ما كتبتُه هُنا ليسَ إلى محضٌ مِما ذُكر سابِقاً وما توّصلنا إليه جميعَاً..
التقطتُ جِهازي المحمُول لأنقُر عَلى أيقُونةِ البحثِ وأُعيدَ قراءةَ ما أخبرنا بِه كيُونقسو عَن كونِها إلهاً للرُومان، دوّنت “أورورا ألهةُ الفجر“..
عدةُ دقائِق أُحاول استيعابَ الأمر..
عدةُ دقائِق أخرَى وأنا أنظُر لِما ظهرَ لِي بعدَ أن بحثتُ عَنها،
حَل جُملتِي كانَ خياراً مُتاحاً لِي طيلةَ هذَا الوقت وأنا اللعنَه لَم أُفكر حتَى أن أبحثَ عنهُ إلكترونياً!
امعنتُ النظرَ مِن جديد، بحثتُ بالكوريّه وأيضاً كانت ذاتَ النتيجَه!
“الشفق القُطبي!”
نقرتُ عَلى موسوعةِ ويكيبيديا التّي أظهرت لِي بحثاً شامِلاً يخصُ الشفَق القُطبي ومتَى وكيفَ يتكوّن، ومالفتني حقاً وجُود قِسمٍ كاملٍ للرومَان، حيثُ كُتب اعتقاد الرومَان عَن كونِ الشفَق القُطبي إلهاً للفجرِ وأخاً للقمَر، مثلمَا قال كيُونقسو سابِقا، ولكِن اللعنَه كيفَ لَم يُخبرنِي أن هُناك صِله بينَها وبينَ اعتقادِ الرومَان! لَم يكُن ليتوّصل إلى اعتقادِ الرومَان بدايةً إلا إن ظهرَ لهُ بحثٌ مُتكاملٌ يخصُ الشفَق القُطبي! زفرتُ غاضباً مُؤنباً لِساني عَلى الشتمِ تواً، درتُ بعينَاي عَلى الغُرفه لأجِد أن الأدوارَ قد عُكست، بيكهيُون وييفَان يعملُون بينَما لا أثَر لكيُونقسو وسِيهون، نزعتُ سدادةَ الأذُن لأوجِه حديثِي نَحوّ بيكهيُون الذّي يتناولُ كيساً مِن حلوّى الخطمِي: “أينَ البقِيه؟”
رفعَ عينّاه لِي ليحدِق ثوانٍ عِده: “فِي شُرفتك.”
قطبتُ حاجباي لأستوعبَ بعدَها ما يرمِي إليه، قهقهه بِقوه ضارباً الطاوِله التي أمامَه وأنا وجدتُ أن هذَا أسخفُ ما قَد سمعتهُ أذنَاي.
دونتُ امرَ الشفقِ القُطبي لأقِف مُتوجهاً نحوّ الخارِج للذهاب لمنزلِي، تغيير ثيابِي والحصُول على قوتَ يومي.
مشيتُ قليلاً مُقترباً للبابِ الخارجي، لمحتُ غريبَ الأطوارِ ذاك يتحدَث بالهاتِف مُلتقفاً بأصابعهِ إحدى السجائر، أعلمُ ان هذا لفعلٌ مُشين ولكني وجدتُ نفسي فضولي جداً حَول ما يتحدَث عنه..
اقتربتُ قليلاً منحنِ الظهر كَي لا ينتبِه لي، حبيتُ حينما اقتربتُ أكثر خوفاً من أن يلمحنِي أو ما شابَه، الصقتُ جسدي بالباب الزُجاجي الخاص بالشرفه ولم استطِع سماع غيرِ التمتمات، دفعتُ الباب قليلاً اصلي لعدم خروجِ أي صوتٍ يدلُ على ما افعلُه.. ونجح الأمر، حيثُ بدأ صوتَه يدبُّ لقناةِ سمعِي.
“ولَن أكُف عنها ما حييت.”
صمتَ عدةُ ثوانٍ خمنتُ أنها ضاعَت في الإستماعِ للطرفِ الآخر.
“هيونق”
عدةُ ثوانٍ تمتمَ بعدها:
“أحِبك.”
قشعريرةٌ سرَت بجسدِي حينمَا نطقَها،
إلهي هل هو شاذ ليقولهَا بهذِه الحالِميه؟
ثُم ما هذه القهقهات وكأنهُ فتاةٌ قد اعترفَت للتَوّ! واللعنه تكمُن هُنا “مع من يتحدَث بحقِّ الإله!”
ضربتُ رأسي بقوّه مُعاقباً اياي على شتمي للمرَّه الثامِنه والعشرُون فِي هذا اليوم، ثمّ منذ متى بحقِّ الجحيم كيم جُونق إن أصبحتَ فضولياً تسترقُ السمعَ بهذَا الشّكل!
حبيتُ مجدداً مُبتعداً، وقفتُ حينما استشعرتُ أنهُ لن يلمحنِي لأتوجه للمنزل مُجددا.
**********
الخامِسه فجراً..
ثلاثُ ساعاتٍ إلا أن: “وجدناه!”
زفرتُ براحةٍ لأقف: “حسناً، حُلّت الشفره الآن.”
بيكهيُون: “ليقُل كُل شخص حلّ جُملتِه لندونها تدويناً أخيراً ثُم نُسلمها.”
وقفتُ لأُكمل: “إن ما اتفقنا عليه هُو استناجُ بيكهيُون حينمَا قال أن نُعيدَ ترتيبَ الجُملِ علَى نمطٍ مُعين، لِهذا تُصبح الجُمله الأولَى “دافئٌ ثلجِي، أمام غربِ الشتاء، حينَ تتداخلُ جنُودهم لأرضِنا، تتكوّن أورورَا ألهةُ الفجرِ واختُ القمَر.” وحلُها هُو: القُطب الشمالِي، في اوائِلَ أيامِ شهرِ كانُون الثاني، حينَ الفجر، فكمَا أخبرتُكم سابقاً أن أوروا تعني الشفَق القُطبي قُبيلَ الفجر، وفِي تعريفِه نجِد أنه كُتب: يتكَونُ الشفقُ القطبيُّ حينما تتداخَل جُسيمات مِن الريحِ الشمسيه لجوِّ الأرض، وهذا المقصُود بـ”حينَ تتداخلُ جنُودهُم لأرضِنا” .”
وقفَ سيهُون: “بالنسبةِ إلينا فقد وجدنا أن المقصُود بـ “العالمُ السُفلي لن يستطِيع، المسيحُ وحدهُ من يستطيع، المُصّلب السابِع فِي ليلةٍ يغطُّ بِها الغُطاط ولا يبصِرُ بِها الوطواط وبعدَ تجمُعِ دمِ الأهل في الثانيه وثلاثُ دقائقَ يظهر هُناك.” أن هُناك ما يُطلق عليهِ بجحيمِ الصلبان فِي النمسا، وهُو عباره عْن مجموعةٌ مِن الصلبانِ المُرقمه، يقومُ الناس بالتبارُك بالدمِ فيها بالتاسِع عشر مِن شهرِ كانُون الثاني، وما يُرمى إليهِ بالشفرَه أنهُ فِي ليلةٍ شديدةُ السواد وبعدَ تجمُد دم الأهل أي بعد يومَان مِن الحدثِ هذا، سيظهَر شيء خلفَ المُصلب السابع.”
ييفان: “أما بالنسبةِ إلينا، “صحراء تشيلِي، غرب أتاكاما، ندَى الصُبح، تكوّر الزهر.” أي المقصُود صحراء أتاكاما القابِعه غربَ تشيلِي، وجدنا جدولاً مُحاطاً بالزهرِ هُناك، لذا المقصود ذاكَ المكان”
التقطتُّ حلَّ الشفرةِ بالورقةِ التي سلمني إياهَا بيكهيُون لأهمس لهُم: “فلنُصليّ للربِّ ليجعلَ ما توصلنَا إليه لهوَّ الصواب.”
**********
الرابِع والعِشرون مِن كانُون الأول، ألفين وثلاثة عشَر؛ الأربِعاء، الواحِده والنصف مساءاً..
أربعةُ ساعاتٍ مُنذ أن إلتقينَا بالسيِّد جُونميُون لنُسلمهُ تحليلَ الشفرَه، وثلاثُ ساعاتٍ مُنذ أن تلقينَا إتصالاً هاتفياً مِنه، يُخبرنا أن تحليلنَا قيدَ الدِراسه..
لا أعلمُ إن كانَ ما اشعُر بِه لهوَّ التوترُ بعينِه أم أنها نوبةُ خوفٍ أم شعُورٌ بالملل، كُل ما أستطيعُ إفادةَ نفسي بِه أنّ ما أشعُر بِه ليسَ فراغاً، بل مشاعِر، مشاعرٌ لَم أُجربهَا قبلاً، أي.. ليس لِي علمٌ بماهيتِها، لكنني أجزِم أنها ليست فراغ.
ليست فراغاً شعرتُ بِه قبلاً، بَل مشاعرٌ جديده، جالبَةً ألماً طفيفاً أسفلَ معدتِي، دغدغةً تُحاصرُ أواخِر أطرافي وإيقاعاً لا يفقههُ سِوا قلبي ليرقُص بلذةٍ على نغمِه.
نصفُ ساعةٍ مضَت بِلا حديث وجُلّ ما نفعلُه هُوّ التحديق بِالهاتِف، خمسةَ عشَرَ دقيقةٍ أُخرى مضَت والحالُ كما هُوّ عليه، ثمانُ دقائِق و.. صوتُ الهاتِف يقطعُ حبلَ أفكارِنا.
أبتلعتُ ما بحُنجرتِي حينمَا حولَ الجميعُ أنظارهُم نحوي، وقفتُ أحاوِل الإتزان، سحبتُ الهواءَ لأزفُره براحةٍ ثُمّ: “مرحباً.”
“مرحباً جُونق إن، أنتَ علَى مُكبِر الصوت أمامَ نُخبةٍ مِن خُبراء فكِّ شفراتٍ ومُحققين، بدايةً هل الجميعُ حولَك؟”
نبضَ قلبي بِسُرعه، أبتلعت: “نعم.”
“هَل أنتَ واثقٌ بِأعضاء فريقِك وبما حللتمُوه؟”
صمتُّ قليلاً.. خائفاً مِن أن أُجيب وكُل ما يصدُو بعقلِي: “هل أنا حقاً واثُقٌ بِهم؟”
رفعتُ رأسي نحوّهم،
بيكهُيون العبقرِي، ذو فكرةِ الأرقامِ وقسمتُها وترتيبَها يقِف مُلتقطاً كفَّ كيونقسُو، ييفَان سليطَ اللسان والذِّي لم نكُن لنكتشِف ما يُخطط لهُ بيكهيُون لولا أنه قامَ بالصُراخِ عليه مؤنباً إياه، سيهُون وكيُونقسو واللذانِ كان لهُما الفضل فِي إكمالِ التحلِيل، وأخيراً.. أنا.
هل سأستطيعُ إعطاء ثقتي لإحدهم بعد؟ هل يُمكنني تخطِي ظلامَ الماضي والمضيّ قدماً نحوَّ نُور الحاضِر؟ هَل سيُصبح نورُ الحاضِر فِي وقتٍ ما ظلامٌ كما السابِق؟
لا أعلم.
أخذتُ نفساً طويلاً لأُخفض رأسي هامساً:
“أنا واثِق.”
“ستبدأ رحلتكُم في الأول مِن كانُون الثانِي، سنُسلمكُم الشفرَه فِي اليومِ المُحدد وعِند بدءِ البحث.”
قطبتُ حاجباي: “لم أفهم؟”
“كيم جُونق إن.. لقد نجحتُم”
عدةُ دقائِق لأستطيعَ إستيعابِ الأمر، أغلقتُ الهاتِف سارحاً باللاشيء أمَامِي.. لم أرفَع عينَايّ أبداً، استمريتُ أنظُر للفراغ، عدةُ ثوانٍ التقطتُ أنفاسِي بِها لأرفع عيناي وأهمِس:
“نجحنَا!”
**********
الرابِع والعِشرون مِن كانُون الأول، ألفين وثلاثة عشَر؛ الأربِعاء، العاشره مساءاً..
ذات الحُلم المُعتاد، رواقٌ طويلٌ أصحُو علَى أرضيتهِ الخشِنه ليستشعرُها جسدِي بكُل إحساس، ذات العناكِب وشباكُها، الأصواتِ وأصحابِها، الوجوهِ وأجسادُها والإبهام.. الألغاز، الغرابَه وعدم معرفةَ ما التفسير الحقيقِي وراءَ ما أراه ووراءَ ما تلتقطُه طبلتي مِن تردُدات: “المَاء لا يطفئ النار، النُور لا يُسمى بالظلام، الشيطَان ليسَ بملاك، وكُل شيء يَحدُث بسبب ولسبب.. لَن تطفئ النار.. لَن تُطفئ النار.”
اندفعتُ بِقوةٍ نحوّ الأمام لأستطيع الجُلوس، الفَر والهروب مِن أرضِ اللاوعِي للواقِع، لهثتُ بِقوةٍ أحاول تهدئة نفسِي، لعقتُ شفتاي مُرطباً إياها، شعرتُ بالجفافِ يدبُّ إلى حُنجرتِي لأحاول الوقُوف وجلب مَا يروي عطَشي، توجهتُ للأسفل أترنَح، بدا المنزِل هادئاً جداً فالجمِيع يأخُذ فترةَ راحةٍ من بعدِ إنتهائه مِن التحليل، نظرتُ لساعةِ هاتفِي النقّال لأجِد أنها تُوشِك على العاشِره مساءاً.. شرِبتُ ما بجُعبتِي من ماءٍ لألتقِط عُلبةَ سجائرٍ بدَا أن أحداً ما تَركها هُنا، سحبتُ واحِده، لأسحبَ دُخانها إلى صدرِي، وكما اعتدت.. لا أزفرُه أبداً.
الرابِعه، السابِعه والثامِنه إلى أن إنتهت العُلبه لكونِها مُستخدمَه سابقاً.. شعرتُ بدوارٍ بسِيط، تحسستُ رأسي مُستشعراً حرارتُه التي بدَت أعلى مِن المُعتاد بقليل.. تجاهلتُ الأمر لأتصِل على هاتفِ تشانيُول، وكأغلبِ الأوقات “مُغلق.”، زفرتُ بحنقٍ لأحولَ مُكالمتِي على هاتِف جُونميون.
..:”مرحباً”
“هيُونق.”
“ماذا بِك، كيونقسُو؟”
“أريدُ رؤيةَ تشانيُول.”
صمتَ قليلاً، أجاب: “لرُبما هُو مشغُول.”
“هاتفُه مُغلق.”
“كما اعتدنا عَليه.”
“أشعُر أنني سَأف-فشل..” أكملت: “أنني بالكادِ أخفِي الأمر عَن الباق..”
قاطعنِي بنبرةٍ بدت أعلى قليلاً: “إياك وإن تفعل كيونقسُو!” صمتَ قليلاً لتعُود نبرتُه كما اعتدتُها: “تذكَر أنهُ إن علِم لَن يُسامحَك أبداً، أيضاً لرُبما يختفِي.. أنتَ تعرفُه جيداً.”
أومأتُ وكأنني على مرأىً مِنه: “أعلَم.”
أغلقتُ الهاتِف مُتجهاً نحوَّ الرسائل، أيقونة إنشاء ثُم تحديد رقِم تشانيُول يتبعُه النقِر عَلى أزرار: “اشتقتُك، فلتعاوِّد الإتصال بي.”
توجهتُ نحوّ الشُرفه لأفتح الباب خارجِاً، كما قلتُ سابقاً هواءُ كانُون الأول ليسَ بمُزحةٍ على الإطلاق.
ذِكرى قريبةٍ اقتحمَت خلايا عقلِي، أعادتنِي لمِا كُنت أحاولُ أن أفرَّ مِنه، أعادتنِي لإنتكاستِي مُجدداً، لألمٍ اخترقَ قلبي ولموجِ كئابةٍ أغرقَ جسدِي..
أعادتنِي إليه.
رفعتُ رأسِي للسماء، ليسَ كتلكَ المرَه، بل هُوّ واضِح.. نجمُه كانَ واضحاً كالشمسِ فِي مطلعِها، كالفجرِ عندَ بزوغِه وكالقمرِ حينَ اكتماله.
“ابتعدِي أيتُها الشمس، ابتعدي أيتُها الشمس.. أريدُ رؤية عينَا حبيبي فِي النجُوم، طالَ الأمد ولَم نلتقي هل لكِ الإبتعاد أيتها الشمس؟” استمريتُ أدندنُها بإبتسامةٍ، مُحارباً كماً هائلاً مِن الذكرياتِ انهمرَ علَي.. باتَ الأمرُ صعباً جِداً، أن أقاومَ غصةً تأبى الخسَاره أمرٌ صعبٌ جدا.
شعرتُ بأن الدوارَ قد اشتَد، وألمٌ فِي حُنجرتِي يزداد، ألتففتُ للداخِل مُتوجهاً نحوّ الأعلى، تحديداً إلى ذاتِ الفراشِ الذي تركتُه منذُ ساعةٍ مَضت.
**********
السَادِس والعشرُون مِن كانُون الأول، ألفين وثلاثةَ عشَر؛ الجُمعه، الثانيه وعشرُ دقائِقَ مساءاً.
اخترقَ صوتُه طبلةَ سمعِي: “لماذا!!!!!!!”
ألتقطتُ أقرَب ما وصَل إلى أصابِعي لأصوبُه نحوه: “اللعنه على صوتُك ياملعون!!”
اقترَب منِي بعبوس: “كيونكيُونق فلتستمِع لِما يقُولاه، لَن نحتفِل بعيدِ الميلاد لهذِه السنه!!”
“وهَل أنتَ طفلٌ كي تحتفِل بِه؟”
“لستُ طفلاً ولكِن..” قفزَ بِسرعه: “بحق الجحيم!! مَن ذكرَ سابقاً أن أعيادَ الميلادِ لها عُمراً مُحدداً؟”
ييفَان: “نحنُ ذكرنَا.”
بيكهيُون: “فلتصمت أنت، لا أذكُر أنني قمتُ بمخاطبتِك؟”
“أنا أذكُر”
“حسناً قُم بالتذكُر عند والدتك وابتعِد عني.”
“لا استطيع الإبتعاد أحبك يا رجُل”
“فلتسمتع ييفَان.. أستمِع إلي حسناً؟، هل ترى مؤخرتك؟ هيّ أولى بالحُب”
“إن كانت نُكته أو ما شابه فهي أطول نُك..”
وقطعتُ وصُول الصوت لـ طبلتاي، وللمره السبعُون فِي هذهِ اليومين.. هذا كان أسخف حِوار قد سمعتُه إطلاقاً، استنشقتُ ما شعرتُ أنهُ على وشكِ السيلان مِن أنفِي لإلتقِط مِنديلاً ورقياً، سعلتُ بعدها لأشعر بأحبالِي الصوتيه تُنتج احتكاكاً أثرَ جفافِها، توجهتُ للغرفةِ صعوداً لأتخذَ وضعاً دفاعياً تجاهَ الفايروسات في الجو بشكلٍ أكبر، سُتره قُطنيه، سُترتان صُوفيتان ومعطف.. استلقيتُ على السرير مُحاولاً إنتاج تغطيه كامِله لجسدي..
يوماً مرَّ دونَ أي حركَه مِنه، يوماً أيضاً بلا مُكالمات تشانيول، يوماً مِن العذاب ومحاولة التغلُب على الإنفلونزا الشديدَه التي أمرُّ بِها، أغمضتُ عيني مُحاولاً النوم، دقيقتان إلى أن.. رُن الجرَس.
علمتُ أنهُ هوَّ، كيم جونق إن..
حاولتُ أن اقعُد مِن استلقائي ولا إستجابه من جسدي، حاولتُ مجدداً وعبثاً أحاول، أمسكتُ بأطرافِ السريرِ أدفعنِي مِن خلالِها، ولا فائدةً تُرجى أيضاً، شعرتُ بجسدِي يشتعِل، سعلتُ بقوه لشعورِي بشيءٍ يقفُ كعظمةٍ تأبى النزُول بحُنجرتِي، سعلتُ بشكلٍ أقوى واستمريتُ بزيادةِ مُستوى السُعال حتى اختفى ما كانَ يعُوقنِي، أردتُ الإستنادَ على يدي ولَم أستطع أن أحركَها، غباشةً طغَت على عيناي حتى..
غرقتُ في اللاوعِي مُجدداً.
**********
السَادِس والعشرُون مِن كانُون الأول، ألفين وثلاثةَ عشَر؛ الجُمعه، الثانيه والنِصف مساءاً.
تطلبَ منِي الكثير مِن الشجاعةِ والتدريب حتَى: “كإحتفالٍ لنجاحِكُم بحلِّ الشفرَه ومُقدماً لعيدِ الميلاد سأعطيكُم بطاقتِي المصرفيه كي تفعلُوا ما تشاؤوا بِها”
قفزَ بيكهيون نحوي: “أنت الأفضل على الاطلاق!”
سيهوو: “شُكرا استاذ.”
ييفان: “شُكرا لك، ألن تأتي معنا؟”
شعرتُ بإحراجٍ طفيف وعدَم قُدره على الرَد، ابتسمتُ إليه: “لا أحبُّ الإزدحام، اعتذر.”
كذبةً بيضاء كما يقولُون؟ فلتكُن كذلِك.
انسحبتُ عائداً للمنزِل بعدَ أن أتممتُ أحاديثاً معدُودةً معُهم، لأكمِل سلسلةَ أفلامي التي اعتكفتُ في المنزل اليومين الماضيين عليهِم.
**********
السَابع والعشرُون مِن كانُون الأول، ألفينِ وثلاثةَ عشر؛ السبت، الواحِده بعدَ مُنتصف الليل.
استيقظتُ على رنِّ الهاتُف النقال،
أجبتُ دونما أن انظُر للمُتصِل: “مرحباً؟”
“ك-كيم جُون-ق إن الصغير!”
ميزتُ الصوتَ لأقطِب جبيني كي أستطيعَ التركيزَ بِما يتفوه بِه.
“الهيُونق أن-أنا، أنا خاص-صتك، أنا” فهقَه “نحنُ بالن-نادي” فهقَه.
“حسنا؟”
عدةُ دقائق مِن الصمت إلى ان استمعتُ لصراخِه واعتراضِه على أخذِ الهاتِف منه، أجابَ ييفان: “مُعلم.. بيكهيون الغبي قد نسيَّ بطاقتك فِي المنزل، ولم نجلب مالنَا لإعتمادنا على بِطاقتك، اعتذر ولكم هل تستطيع جلبها إلي؟”
“اين أنتم؟”
“سَأقوم بتزويدكَ برسالةٍ نصيه بالعنوان، وداعا”
“انتظر! اين سأجد المفتاح؟”
لا رَد
“ييفان؟”
لم يُقابلني سِوى إغلاق الخَط.
عاودتُ الإتصالَ مرتين ولا جدوَى حيثُ أنهُ لا أحد يُجيب، تنهدتُ لأستبدل ملابسِي لأخرَى تُناسب الخرُوج، وأتوجه نحوَّ الڤيلا الخاصه بِهم.
بحثتُ عن المفتَاح تحت السجَاد، وفي السلّه وبجانبِ الباب وفي كل مَكانٍ قد يستطيعوا أن يضعُوه فيه، ولا أثرَ له! دققتُ الباب لرُبما خادمه قد أتت مُتأخراً وبقيت أو ما شابه.. رُغم أنهُ خيارٌ جداً ضعيف الا أنني وجدتُ نفسي أدقُّ الباب على الفراغ..
دقيقتين وأربع دقائق بالإستمرار بالدقِّ البَاب إلا أن استطعتُ استيعابَ ذلك “لما بحقِّ الجحيمِ أبحثُ عن هذِه البطاقَه وأنا بجُعبتي الكثِير غيرُها؟” قررتُ الإبتعاد ووضَع كوني للتوِّ قد استيقظتُ من النوم في عينِ الإعتبار،
ثلاث خطواتٍ، وسبعه،
إلى أن استمعتُ لصوتِ فتحِ الباب..
ألتففتُ بغرابةٍ نحوَّ الصوت لأرى كيونقسو مُقطب الحاجبين وينظُر إلي، لرُبما قد ايقظتُه أو ما شابَه،
ثمَ.. هل رُبما هوّ لم يذهب معُهم؟
بالطبع هوّ ذلك وإلا لما كانَ بالمنزِل أيهُا الغبِّي! اتخذّ عقلِي نظامَ دفاعٍ وقام بتذكيرِي أنني للتُّو قَد صحوتُ مِن النوم، اعتذرُ لنفسِي على نعتِها بالغبيّه.
عدةُ ثوانٍ أخرى مضَت وما زال ينظُر إلي، خمنتُ أنهُ يترقبُ اعتذاري عَلى إيقاظِه؟ ابتلعتُ ما علِق في حُنجرتِي لأقترِب مُقابلاً إياه، رفعتُ رأسي نحوهُ ولا زَال على نفسِ وضعيتِه ينظُر إلّي مُقطباً حاجبَيه، رطبتُ شفتَاي لأهمِس: “أ-أنا” سحبتُ نفساً مُتخذاً الأرضَ منظراً مُناسباً أكثر مِن وجهه الذِّي يلعنُني غضباً لأُكمل: “أن-أنا ف-فقط هُم ات-اتصُلوا ع-علي بطاق-قتِي” عضضتُ شفتايّ مُرتباً سِلسلةَ حبلِ أفكاري لأرفعَ رأسِي قائلاً: “أنا لم أعرف أنهُ يُوجد أحدٌ بالمن..”
فتحتُ عينايّ على مصراعيهَا حينمَا شعرتُ بجسدٍ يسُقط بينَ يدَاي، عدةُ ثوانٍ لأستطيعَ استيعابَ الأمرِ مُجدداً.. هل هُو يحتضنُنِي الآن؟
ابتلعتُ بِقوه مُحاولاً السيطرَه علَى نبضاتِ قلبِي، تذكرتُ أمرهُ حينمَا أخبرَ أحدِهم أنه يُحبه، إلهي هُوّ حقاً شاذ! عدةُ دقائِق استعدتُ رِباطةَ جأشِي بِها لأحاوِل إبعادهُ قليلاً: “اس-استمِع إلي”
لَم يبتعِد بل استمرَ مُتخذاً جسدِي مُتكئً له، حاولتُ ابعادهُ مُجدداً: “استميحُك ع-عُذراً هل ل-لك أن تبتعِد؟” ولا جدوى مِن ذلِك، رفعتُ رأسهُ مِن صدرِي لأرى أنهُ مُغمضاً العينَان، همستُ: “كيُونقسو؟” سقطَ بشكلٍ مُفاجئٍ بينَ يداي، حاولتُ أن أوقفهُ صارِخاً بِه: “كيونقسو!!!!!
ضربتُ على خدِه أوقضُه لتصدمني حرارةُ جسده، حملتُه بين يداي وأغلقتُ البابَ بقدمِي، وضعتُه على الصُوفا القابِعه بغرفةِ المعيشه، بحثتُ عن هاتفي ولا أثرَ له، جريتُ نحوّ هاتفِ المنزل ليُفاجئني أنهُ مقطوعُ الخط!
لعنتُ بين أنفاسي لأجري لهُ من جديد، طبطبتُ على خده أصرُخ بِه حتى يستعيدَ وعيه ولا جدوَى تُذكرُ مِن هذا، مسستُ رأسهُ مجدداً لأستشعرَ حرارتهُ وأقارنها بحرارتِي،
واللعنَه كانت مُرتفعه كالجحيم!
حملتُه مجدداً صاعداً بِه للأعلى، العديد من الغُرف قابلتنِي لأضعهُ بالاقربِ دُون تفكير، مددتُ يداي لأقومَ بخلعِ ثيابِه الخارجيّه، مُبقياً إياه بكنزةٍ قُطنيه وبِنطال، أطفئتُ جهازَ التدفئه لعلّ جسدُه يبرُد قليلاً، جريتُ نحوّ الأسفلِ أبحث عَن قطعتِ قُماشٍ وماء بارد، التقطتُهم لأجري مُجدداً نحوهُ، عصرتُ القماشَ مِن الماء لأضعها على رأسه، شهقه بسيطه فرت من شفتيه حينما لامسَ جسدهُ برودةِ القُماش، اقتربتُ منه أهمس:
“كيونقسو؟؟ هل تسمعني؟؟؟؟ كيونقسو!”
ولا رَد، كُل ما يفعلُه هُو الإرتجاف،
نزلتُ للاسفَل مُجدداً التقطُ أكبر عددٍ من قطعِ القُماش، عصرتُ إحداهَا لأمررهُ على رقبتِه ويديه، تأوهَاتٍ خفيفَه تصدُر من بينِ شفتيه بينَ وقتٍ لوقت، جالبةً قشعريرة تسري بجميع أنحاء جسدي..
استمريتُ أبرِد ما ظهرَ مِن جسدِه، اقدامُه، كفيه، رقبتهُ ووجهه، ليهدَئ بعد نصف ساعه تقريباً، مُوقفاً جسدُه عن الإرتجاف، وأنفاسهُ عن اللهثِ السرِيع، أردتُ الذهابَ لأقربِ صيدلية لجلبِ الدواء ولكنني خفتُ أن يُغلق الباب ولا استطيعُ فتحهُ عندها، بحثتُ بالاسفل ولم أجد أي أثرٍ لأيِّ دواء، عدتُ إليه أحاول خفضُ درجةِ حرارتِه من جديد.
**********
الأول من كانُون الثاني، سنة ألفين وأربعة عشَر؛
الخمِيس، السابِعه والنِصف مساءاً.
“فالُويا، النروِّيج.”
ها نحنُ هُنا، على أرضِ القُطبِ الشماليّ.. فِي رحلةٍ أولى نحوّ إيجاد النِجم المعنِي.. مُتبعينَ شفرةً تركَها مُكتشفُه خلفهُ..
“كيونقسو وسيهُون غُرفه، أنا وييفَان في غُرفه، والمُعلم وحدهُ، همم؟”
“لا، أريدُ أن اسكُنَ وحدي، فلنبحث عَن نُزلٍ آخر.”
ييفان: “اللعنَه عليك سيهُون فلترضَى! لا يُوجد غيرُ ثلاثُ غرفٍ فقَط!”
“ليسَ هُناك غرفٌ فِي هذا النزُل، ولكن بنزلٌ أخرى سنجِد.”
“إن هذا لسابعُ نزلٍ نقومُ بزيارتِه ولا يُوجد لديهم كحدٍ أقصى سِوى ثلاثُ غُرف، فلتقُم أنتَ بالبحث أنا تعِب سأقطُن هُنا.”
“أنا أيضاً أؤيدُك.” ذهبَا ييفَان وبيكهيُون.
نظرَ سيهُون مُبتسماً نحوّ جُونق إن: “أعتذر إليك.” ليجرِي بِسُرعه نحوّ مركزِ الإستقبَال.
عدةُ ثوانٍ نظَر بعدها جُونق إن تجاهي وكأنهُ يستفسرُ سببَ إعتذارِه، شتتُ نظرِي عنه لأتقدّم مُتجاهلاً إياه.
وهذا ما آلت إليهِ الأمور..
ييفَان وبيكهيُون بغُرفه، سيهُون بِغرفه لوحدِه، و نعم.. أنا وجُونق إن بغُرفه.
طبلٌ وقعُ إيقاعِه يملئُ صدرِي كُلما فكرتُ بالأمر، “أنا-دُو-كيونق-سُو-و-كيم-جونق-إن-سننامُ-بذاتِ-الغُرفه-طيلتَ-فترةِ-مكوثنا-هنا” لعنتُ سيهُون تحتَ أنفاسِي ليزدادَ مقدارُ حقدِي وعزمِي على تهشيمِ فكِه.
دلفتُ للغُرفةِ والتي كانت عبارةً عن جناحٍ صغِير بغرفةِ معيشَه، مَطبخ، دورةُ مياهٍ وغُرفة نومٍ تحملُ سريرينِ مُنفصلين، توجهتُ لغرفةِ النومِ أولاً لأضع الحقَائِب، عازماً تجاهُله التام وعدَم إثارتي أي شكُوكٍ قَد تضعُني في موقفٍ مُحرجٍ معه، فأنا لازلتُ لَم أتخطَى بعداً ما حدثَ قبلَ أيامٍ مضَت،
تحديداً.. صباحُ السابِع والعشرُون مِن كانُون الأول، حينمَا استيقظتُ لأجِد جسدهُ يقبعُ على الكُرسي الخشبيّ بِجانبي، رأسهُ نائمٌ على السرِير الذِي أنامُ بِه، ويديَ تحتضنُ يداه..
لا.. دعونِي أعِيد صياغتِها مِن جديد،
يداهُ المُمتده تحتَ كنزتِي القُطنيه،
أي تحديدا.. يداهُ التِي تقبعُ على معدتِي بهدُوء.
لا زال الذي قَد جاء بيديهِ أسفلَ كنزتِي يُؤرقُني، أعني تذكرتُ أنهُ قَد اعتنَى بِي حينمَا مرضتُ وتذكرتُ ما حصلَ تماماً فقد كنتُ بين الوعِي واللاوعِي، لكِنني لا أعلمُ بعد لما كان يضع يداهُ على بشرةِ مَعدتي؟
مازلتُ أشعرُ بدفئها يحيطُ معدتِي،
كان شعُوراً رائعاً، جالباً الكثير مِن الفراشات أسفلَ معدتِي، أنفاسٌ ثقيلَه تُؤخرُ تنفُسي وخيولاً ترفضُ أن تروّضَ داخِل صدرِي، كان شعُوراً كالنعيم،
لذيذٌ في ألمِه، ومؤلمٌ في لذتِه..
شُعوراً حتماً كالنعيم.
ما هَونَّ الأمرُ عليَّ وما قلل إحراجِي أنني قد اختفيتُ مِن المنزِل قبلَ أن يستيقِظ، حَتى حينمَا تقابلنَا في الأيامِ الماضيّه لَم يُفتح الموضُوع أبداً، كالنسيِّ المنسي تماماً.
عدتُ لأرضِ الواقِع حينما سمعتُ صوتَ جرسِ الغُرفه يرِن، توجهتُ لغُرفةِ المعيشه لأرى سيهُون يتحدثُ إليه، أردتُ الجريّ نحوهُ وقتلهُ حقاً لكنني وجدتُ بفعلِي هذا وقاحةً، وكأنني لا اريدُ السَكن مَع جُونق إن والأوقحُ أنه بلا سببٍ منطقي، ماذا؟ لا أريدُ السكنَ معهُ بسبب شُعوري بأنني أتجرعُ علقمَ الموتِ فقط بالنظرِ لظهره؟ أم لأنني أشعُر كُلما رأيتُه برغبةٍ بأن احتضنهُ إلى أن يأتِي أجلي؟ أم بسببِ أنني أتوقُ للحديثِ معهُ وعدَم تجاهلِه ولكِن ليس لديَّ تِلك الجُرأه أبدا؟ إن كُل أسبابي ليسَت منطقيه البتة، لِذا توجهتُ لإكمال ترتيبِ حقائبي مُتجاهلاً قهقهاتِهم التِّي لا أعلم متَى كانُوا بهذا القُربِ كي يُطلقُوها.
**********
الأول مِن كانُون الثانِي، ألفين وأربعةَ عشر؛ الخميس، الحاديه عشَر والنِصف مساءاً.
“فالُويا، النروِّيج”
واضِعاً سماعةَ الهاتِف النقال أمثلُ الإنشغالَ بأغنيتِي المُفضله، مُقابلاً النافِذه الزُجاجيه المُطلَّه علَى أضواءِ وجبالِ قريةِ فالُويا، لإكمالِ خُطة التجاهُل التي وضعتُها مُنذ أن علمتُ أننا سنقطُن بذاتْ الجناح..
دقيقتين مضَت مُنذ أن شعرتُ بتحركٍ طفيفٍ خلفي، تجاهلُت الأمرَ، دقيقَه أخرى إلى أن..
قُطِع سيلُ تردُدات الأغنِيةِ إلى قناةِ سمعِي.
لففتُ جسدِي نحوّ من قامَ بنزعِ سماعاتِ الهاتِف عن أذنِي بغرابه، ابتسمَ إلي ليهمِس: “اجتماعٌ فِي شقةِ سيهُون.” لوحَ لِي خارجاً مِن الجناح، فتحَ الباب مُجدداً: “نسيتُ اخبارَك، جناح رقِم 7.” ابتسمَ ليُغلق الباب بَعدها.
رمشتُ بسرعةٍ أحاولُ استيعابَ الأمر، صوتُ غلقِ البابِ هُو ما أفاقنِي، ألمٌ قتَل قلبّي لشدةِ تِلك اللطافه المُفاجِئه، ابتسمتُ بحَالميه لأستوعبَ ما أفعلُه، حمحمتُ لأقِف بسُرعه نحوّ شقةِ سيهُون.
**
رننتُ الجرس ليستقبلنِي صوت بيكهيُون يصرُخ بأن البَاب مفتُوح، فتحتُه لأدلفَ للداخِل.
تحدثَ جونق إن: “حسناً إذاً.. اتفقنا أن نبدأ بحسبِ ترتيبِ الشفرَه، وقررنا أن تكونَ البدايه: “دافئٌ ثلجي، أمَام غربِ الشتَاء، حينَ تتدَاخل جُنودهم لأرضِنا، تتكَون أورورا آلهةُ الفجرِ وأختُ القَمر.” أي أنهُ وعِندَ تكونِّ الشفقِ القُطبي، ستَظهر لنا علامَه أو شفره جديده لرُبما أو النجمُ ذاتُه، لذا فلنتأهب، أما عن سببِ حضورنَا لقريةِ فالُويا فهوّ أن بِها أعلى مُرتفع في القُطبِ الشمالي، ولِعدم ذكرِ المكانِ في الشفرّه لرُبما هُو مُتأكد أننا سنتوجَه نحوّ أعلى منطِقه كي نشهدَ الشفقَ القُطبي.”
ييفان: “قمتُ بالبحثِ والسُؤالِ عَن وقتِ حدُوثه، قيلَ لِي أنهُ في الخامِسه وواحدٌ وأربعونَ دقيقَه.”
“أحسنت ييفَان، الآن فلنُجهز أدواتنا ولنتأهب للنّوم، سنخرُج من هُنا عِند الرابِعه فجراً كي لا يفوتنَا شيء، اعتمدُوا علي بِذلك سأقُوم بإيقاظكُم.”
أومأنا جميعَاً ليُكمل: “أيضاً سيهُون-اه”
“نَعم جُونق؟”
وأنا حقاً بدأتُ التساؤل فِي منذُ متى هُما بهذا القُرب كي يناديه سيهون-اه والآخر يُجيب بجُونق؟
“قُم بطلبِ تأجيرِ سيارّه واسِعه واجعلهُم يُحضرُوها الآن.” شتتُ نظرِي لأصابعِ يديّ ألعبُ بِها: “وأنت!” لم أرفَع رأسي: “كيونقسو!” واه هل هو ينادينِي الآن؟ رفعتُ رأسِي مُتجاهلاً نوبةَ هلعٍ هدَدت نبضاتَ قلبِي، عدةُ ثوانٍ ابتلعتُ بعدَها هامساً: “ن-نعم؟”
تقدمَ نحوِي مُركزاً عيناهُ على عينِي، اقتربَ أكثر حتَى لم يتبقَّ سِوى شعرةً تفصلُ بيننا.
تيبسَت أطرافي وتوقفَ نبضُ قلبِي للحظات.. حبستُ أنفاسي حينمَا اخفضَ جسدُه كَي يساوِّي بينَ وجهِي ووجهِه، رفعَ يداهُ ليلمِس خدِّي ثم ابتعدَ قليلاً ليهمِس: “هدبٌ مِن أهدابِك سقَط، هل تستطيعُ إعطائِي أمنيتَك؟”
رمشتُ بغرابةٍ ومازالت أنفاسِي حبيسةَ صدرِي، همسَ مُجدداً: “سأسخدمُها جيداً”
أغلقَ عيناهُ بضعةَ ثوانٍ يتمنَى أمنيه،
قربَ أصبعهُ أمام فمِه ليُخرجَ هواءاً ويقُوم بتطييرِ الهدَب، ابتسمَ ليخرُج مِن الجناح سيهُون.
“قَد جُنَّ فعلاً” أشارَ بجانبِ رأسهُ.
صاحَ بيكهيون: “إلهي ما خطبُه! انظروا لشعرِ جسدِي كيفَ وقف!”، أيدهُ سيهُون بإستغراب.
أما أنا.. فقد ضِعت.
خرجتُ مِن الجناحِ بسُرعه مُتوجهاً نحوّ المصعَد الكهربائِي ضغطتُ زرّ الطابِق السُفلي، توقفَ لأجري نحوّ الفناء الخَاص بالنُزل وأطلقتُ أنفاسِي المحبُوسه هُناك، شعرتُ بجسدي يرتفِع وينخفِض، لهثتُ بقوه أمسكُ بحُنجرتِي الجافه..
ما . الذي . بحق . الجحيم . فعله . ذاك ال..
اللعنه! اللعنه كِيم جُونق إن فلترأف بحالِ قلبي! حاولتُ تهدِأت أنفاسِي وإعادة تنظيمِ نبضاتِ قلبي، طبطبتُ عليه باليُمنى وحركتُ اليُسرى نحوّ وجهي لجلبِ الهواء، رغُم تجمُد الجو إلا أنني وجدتُ أن جسدي يشتعل.. تنفستُ بهدُوء إلا أن هدأت، وعدتُ للجناحِ، ما أراحنِي أن الجناحَ كان فارِغاً، لرُبما هوّ يعملُ بأمرٍ ما، دلفتُ نحوّ الغُرفةِ متوجهاً للنوم.
**********
الثّانِي مِن كانُون الثاني، ألفينِ وأربعة عشَر؛ الجُمعه، الخامِسه والنِصف صباحاً.
“مُنحدر فالُويا، النروِّيج”
“فلنتأكد مِن المُعدات.”
بيكهيون: “إلهي مُعلم! هذِه المره الرابِعه بعدَ المِئه التي نقومُ بالتأكدُ مِن المُعداتِ بها!”
“جيّد كي نتأكَد أن لا خلل سيُصيبنا، هيّا مُجدداً.”
تذمرَ الجميعُ ليبدأ: “الكاميرا، المُثبت، العدسه المُكبره، العدسَه التيلسكوبيه.”
سيهُون: “هُنا.”
“أرنِي.” عدةُ دقائق: “حسناً، التيلسكوب الثامن عشر، التيلسكوب اليدوي رمز FH09، المُقرِب، القداحَه.”
ييفان وبيكهيون: “هُنا.”
ذهبَ كي يتأكد، أكمل: “اللوحه البيضاء؟” دارَ برأسِه مُبتسماً: “أين هي؟”
وهذا كانَ مُحرجاً كالجحيم..
همستُ: “هُنا.”
قهقه: “ارفعهَا كيونقسُو لِما أنت خجِل؟”
خجِل مؤخرتِي، رفعتُها لتنفجِر قهقهاتُ الجميع، وأنا حقاً لا اعلم ما المُضحك لهذا الحد؟ ليسَ وكأنني من صممها!
فاجئنِي جونق إن صباحاً حينمَا أمرني بُكل جديّه أن احملَ لوحةَ التشجيعِ هاتِه للسيارَه، قائلاً أننا حينمَا نجِد النجم هُنا سنغرسُها في أعلى قمةِ فالُويا، جلبتُها مستنكراً تفكيرُه الغريب والطفولِي كثيراً وكأنما لعنةُ بيكهيون إنتقلت إليه لتُصيبه، وحينمَا كُنا وسط الطريق قالَ لي: “هَل صدقتَ ذلك؟ هل تُريد تشجيعنَا لهذا الحد؟ لكَ هذا كُن المُشجع لليوم”، وأنا حقاً لا أعلمُ ما بالُ سخافتِه هاتِه في موضوعٍ جديٍ كإكتشافِ نجِم!
ابتعدتُ عنهُم اكتشفُ المكان، كان طريقاً طويلاً يبعدُ عن القريةِ الكثير، مهجوراً نوعاً ما ومُظلم، مقطُوع بحافةٍ كبيره، سميّت وصُنفت كأعلى حافَه بالقُطبِ الشمالي، الحسنَه التي بهذا الطريق هُو أنك لن تستطِيع الاقترابَ من هذه الحافه، خوفاً ان هنُالك جاهلٌ بهذا المكان فيسقُط، ولكِن يُعد المكان الذي اخترناه تابعاً للحافةِ أيضاً فلا يبعُدنا عنها سوى ثلاثةَ عشرَ مِترٍ أو ما شابه، جميلةٌ هيّ السماء، زرقاءُ بشكلٍ مُظلم قليلاً، يتأهب الفجرُ للبزوغ، الشمسُ للطلُوع و”أورورا” للتكوّن.
وصلنِي صوتُ جونق ان: “حسناً الآن، حينمَا أبدء العَد، قُم بالتصويرِ الفيديوي سيهون” تحدَث بجديه.
ثلاثُ دقائق إلى أن..
“١.. ٢.. الآن!”
ابتلعتُ ما بِحنجرتُي مُتأهباً.. أنظرُ للسمَاء بترقبٌ، دقيقتين أُخرى إلى أن لمحتُ ضوءاً أخضراً.
بيكهيُون: “إنها تتكون!”
ثوانٍ إلى أن امتلئت السماء بضوءٍ أخضرٍ تتخللهُ الزُرقا، النُجوم كذلِك كانت على بينةٍ مِن حدودِ نظري ليتحركَ ذاك الضوء بِخطوطٍ متوازيه مثلَ الموجِ في شكلِها، كمائعٍ ضُربت تردُداتِ سقوطِ جِسمٍ ما عَليه لترسُم حركاتٍ طفيفَه فوقَ سطحِها،
باتت السمَاء تماماً بأبهَى حُله،
تُمسكُ صولجَانِها وترتدِي تاجَ جمالِها،
كان حقاً أجملُ منظرِاً رأتهُ عينايّ قط،
وأنا اعنِيها حقاً.
إنتهى الشفَق لنستوعبَ بعدها ما أتينا إليه، البحث عن أثرٍ للنجِم أو علامةٍ كشفرةٍ أخرى تُفيدنا فِي بحثنا، عُميّت أنظارُنا مِن جمالِ ما رأيناهُ لننسى ما قدِمنا لأجلِه.
ما هوّن على جُونق إن غضبُه أن كُل ما حدَث كان مُسجلاً في الكاميرا لِذا عُدنا لننظُر بأمر التسجيل.
كانَ طريقُ العودةِ طويلٌ جِداً، عكسَ المجيئ.. لرُبما بسبب أنني كُنتُ مُتحمساً جداً والآن أشعُر بالخيبَه..
يومٌ كاملٌ مضى دونَ اكتشافِ أي شيء، وُزع التسجيلُ علينَا كي نقومَ بالبحث عَن أيِّ علامةٍ ظهرَت أو أيُّ نجمٍ غريبٍ ظهرَ بشكلٌ مفاجئ، ومعَ بحثي المُتواصل إلا أنني لم أكتشف شيئاً بعد، درستُ أفعال نجمٍ نجم وليسَ هنالكَ ما يثيرُ الريبةَ بعد! أعدتُ التسجيل أقربُ الشفقَ الظاهِر لأراقبِه.. عدتُ دقائِق إلى أن انظم إلي جُونق إن: “هل وجدت شيئا؟”
حاولتُ السيطره على نفسي وتذكيرُها أنهُ عمل، ويجيُ عليّ أن أتبادل معهُ الحدِيث مُتجاهلاً المشاعِر الشخصيه قليلاً.. ابتلعت: “ليسَ بعد.”
جلسَ بقُربي وبشكلٍ موازِي لفعلِه حبستُ أنفاسِي لأكمِل ترقبِي له، قالَ فجأه: “ماذا تفعَل؟”
صمتُ عدةَ ثوانٍ أحاولُ الظهُور بمظهرِ الشخصِ الطبيعِي وليس المُتجاهل الغاضِب دونما سبب واضِح، تحدثت: “أراقبُ سلُوك العومَان.”
“وإذاً؟”
“ل-لرُبما يتخِذ إت-تجاهاً مُعيناً فِي سلُوكه”
“هل راقبتَ سُلوك النجُوم أولاً؟”
“ن-نعم، وليسَ هُنالك شيء.”
“إذاً أنتَ تشير إلى أنه لرُبما سلُوكُ الشفَق قَد يؤدي لإتجاهٍ مُعين؟”
“نعم.”
“إذاً أكمِل الترقُب وأنا سأبحثُ عَن موقعِه، سمعتُ قبلاً أنُه يتحرَك كل يوم بزاويةٍ أكبرُ مما كانت عليه.”
أومأتُ لهُ ليدلفَ للغُرفه تاركاً إياي في صالةِ المعيشه، ابتسمتُ للشعورِ العظيمِ الذي اكتسى صدرِي، كانَت هذِه أطولَ مُحادثةً أقوم بالتحدثِ بِها معه.. إلهي شعوراً حقاً رائع.
غفلتُ عما كنتُ أبحث عنه وما كنتُ ألاحظُه، كل ما كانَ بعقلِي شيء واحِد.. كيفَ كبُر هكذا وكيفَ أصبح وسيماً بهذا القدَر؟ فراشاتٌ غزَت معدتِي حينَ تذكرِي ما حصلَ تواً، شاكراً جسدِي وقلبي عَلى تأقلمه معه، عكسَ أولِ مرةٍ تقابلت بِها أعيننا حينمَا أوشكَت نوبةُ الهلعِ تِلك أن تأتِي بأجلِي، وعكسَ كُل مره يُخاطبنِي بِها فأتجاهلُه خوفاً مِن أن يُفتكَ بقلبي، شاكراً إليك جسدِي.. كثيراً.
**********
الثّالث مِن كانُون الثاني، ألفينِ وأربعة عشَر؛ السَبت، الخامِسه والنِصف صباحاً.
“مُنحدر فالُويا، النروِّيج”
“هذِه الفُرصه الثانيه لنا، أرجُوا أن تراقبُوا جيداً”
أومأنا جميعاً.
وكَالمرةِ الماضيةِ تماماً، لا شيء..
ليسَ هُنالِكَ ما يثيرُ الغرابةَ أو الشَك، عُدنا للنُزل بعدَ أن إنتهى لنجتمِع فِي جناحِ سيهُون مُجدداً..
“بدأتُ افقدُ الأمل.” بيكهيون قال.
“ماذا إن كان أمرُ الشفرةِ والنجمِ المُكتشَف لمحظُ هُراء ولا وجُود لهُ أبدا.”
تسرَبت الشكوكُ إلى عقلِي، ماذا إن كانَ حقاً كُل ما توصلنَا إليه وما تعبنَا لأجله لكَذب؟ حركتُ رأسي انفضُ ما بِه من أفكار لأقف: “يا رفاق! استمعوا إلي، هل مضى وأن كُنتم قادرين على تصديقِ أننا سنقُومُ بحلِّ شفرةٍ، عجِزَ عَن حلِها نُخبةٌ مِن عُلماء فكِّ الشفرات؟” نفوا جميعهم.
“إذاً مابالُ الجميعِ الآن؟ كيفَ فقدتُم الأملَ بهذِه السُرعه! بالنسبةِ لي أثق أننَا سنجدُه، وأعدُكم بذلِك، سنجدُه.”
وقفَ جونق إن ليُكمل:
“أنا أيضاً، أعدكُم أننا سنجدُه.”
حقيقةً.. لم أكُن واثقاً بقولِي أبداً، إلا أن وعدُ جونق إن اعطانِي المزيدَ مِن الأمل، لأعودَ نحوَّ الجناحِ وأكمِل ما كنتُ أبحث عنه..
ساعتين ونِصف بلا أي فائده تُرجى، انظمّ جُونق إن إلي بعدها لنشرَع بالبحثِ عَن اللاشيء..
ثلاثُ ساعاتٍ أخرى حتى:
“من الذي جعلَك تُحب الدخُول لتخصصِ النجُوم؟”
نبضَ قلبي بِقوه، صمتُ قليلاً استعيدُ رباطةَ جأشي لأحمحم: “أحببتُه فقط.”
“هَل أبويكَ على قيدِ الحياة؟”
“لا.”
“بالنسبةِ إلي، كلاهُما مازالا عَلى قيدِ الحياة.” صمتَ قليلاً ليسأل: “هل تكرهُنِي؟”
آلمني قلبي قليلاً مِن السؤال، هل تسألنُي إذا كنتُ أكرهك؟ لم استطِع منعَ إبتسامتِي عن التشكُّل، رفعتُ رأسي إليه، كانَ ينظُر إلى عينَاي وكأنهُ يحاولُ قراءة ردِّي، ابتسمت إليه: “لا.”
فتَح عيناهُ بقوه ليرمِش بسُرعه قائلاً: “أن-أنت! ابتس-سمت للتو!!”
إستطعتُ استيعابَ ما فعلتُه لأكفّ عنه، عدتُ بنظري نحوّ الحاسِب أكملُ ما كنتُ أبحثُ بِه.
استمرَّ يتحدَث معي ويصنَع مواضيعاً طوالَ الليل وأنا وجدتُ أن ابتساماتِي قَد زادَت، حتى أنني بدأتُ أتحدَث بطلاقةٍ متناسياً الوضَع الذي بيننا.
**********
الرابِع مِن كانُون الثاني، ألفينِ وأربعة عشَر؛ الأحد، العاشرَه والنصف ليلاً.
“مكانٌ غير معرُوف فِي قرية فالُويا، النروِّيج”
صاح سيهون: “اللعنَه!” ضربَ المقود ليُكمل: “الوقُودُ ينفَذ!”
“لا عليك، أذكرُ أنني قد لمحتُ محطةً هُنا” أجاب كيونقسُو.
عدةُ دقائق إلى أن صحت: “هُناك سيهُون!”
“إلهي كيفَ جائت هُنا؟”
“منظرُها مُريب.” تحدثَ كيونقسُو.
قلت: “فلتقترب لرُبما نجدُ أحدهُم قبلَ أن ينفَذ الوقُود.”
اقتربَنا نحوّ محطةِ الوقودِ المُحطمه تِلك والتي تقبعُ على طريقِ العودةِ.. فللتوِّ قد كُنا في مكانِ رؤيةِ الشفق القُطبي باحثينَ عَن أدنى علامةٍ حولهُ قَد تُبين لنا أي شيء، لأنهُ وفي الصبّاح وعِند الظهُور كما البارحَه وقبلُ البارحه، لا يُوجد شيء.
سيهُون يقود، أنا بجانِبه وكيونقسُو صاحبُ الفكرةِ بالمقعدِ الخلفِي، تركنا بيكهيُون وييفان بالنُزل لرُبما طرَأ أمرٌ ما أو ما شابَه، ولكِننا كما المُعتاد والمُتوقع لم نصل لشيءٍ من البحثِ أيضاً سوى تضييع ساعتين مِن الوقت.
كَانت محطةً مُثيره للرعبِ نوعاً ما، مهجورةٌ مُحطمه وذاتُ اضواءٍ مومضَه تبثُ جواً غريباً.. لوحةُ سوقِ التغذيّه ذاك قد اجتمعَ عليهَا الثلج مما يجعل رؤيتها غير واضِحه.. نزلتُ من السيارَه مُقاوماً الهواءَ القويّ الذي يُنبئ بحدوثُ عاصفَه ثلجيه ليتبعنِي سيهُون، حاولنا تشغيل جهازِ البنزين لرُبما بِه ما يكفي ضمانَ وصولِنا ولكِن كان فارغاً، نزلَ كيونقسُو معنا لنتوجَه لداخلِ سوقِ التغذيه لرُبما نجدُ من يُساعدُنا، صرختُ قائلاً: “مرحباً؟ هل يوجد أحد هُنا؟” ولا رَد، كان كُل شيء هادئاً ومُظلم..
أدرتُ الكشافَ الضوئي نحوّ المكانِ استكشفُه، كُل شيء بحالة فوضاً وحُطام.. رأيتُ سيهُون يحاولُ أن يقومَ بتشغيلِ هاتفَه لأخرِج هاتفِي أيضاً ولكن لا تُوجد إشاره.. فركتُ كفايّ المُتجمدتان أنفُثُ فِيهما لعلي أدفئهُما، شهقةٌ قويةّ فرّت من كيونقسُو لتُفيقني وأجري نحوهُ، كان يوجهُ الكشافَ الضوئِي نحوّ الحائِط، حولتُ نظري لِما كُتب عليه:
“لن تستطِيعوا فعلَ شيءٍ بدونِ أورورا،
ابحثوا عنها.”
دبَّ الرعبُ لصدري، ابتلعتُ ما بحُنجرتي:
“يا رفاق، لنُعد للسياره الآن!”
سيهون لهَث: “إنهُم يلعبُون معنا لُعبه، اللعنه عليهم!”
سحبنَا كيونقسُو ليجرِي أمامنَا بسُرعه.. فتحَ بابَ المركَز ولم يُفتح، توجهنا جميعاً نحاولُ دفعُه واللعنه هُوّ لا يُفتح! عدتُ جالباً رفاً خشبياً لأدفعهُ نحوهُ ولحسنُ الحظِّ كانَ قد كُسر، جرينا بسُرعه نحوّ السياره ولكن..
لا أثرَ لها، اختفت.

**
أزفُ الفراق.. فهل أودعُ صامِتاً؟
أم أنتَ مُصغٍ للعتابِ فأعتبُ.
. Kik: Baespie
. Twitter: @Baepiee
************************

فكرة واحدة على ”Illusion isn’t it || Chapter5

  1. يمه يمه كل ماقلت اخلص هالبارت واسكر الجوال وانام يجي شي يحمسني واقرا البارت الي بعده 😭 لو تسأليني قد ايش حماسي لاعرف علاقة الكايسو في بعض اقولك 1000000%

    Liked by 1 person

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s